تويتر

2010/08/14

|• زفرة قهر •|






حقائق:
جميع ما ورد في القصة من أماكن ومعلومات صحيحة وموجودة على أرض الواقع.

تمهيد:

كان يحمل حقيبة سفره حين صرخ منادياً: "سعاد لقد تأخرنا على موعد الإقلاع لم يبقى سوى ساعتين والساعة الآن السادسة والنصف تقريباً وكما تعرفين المطار بعيدٌ من هنا".
ردت سعاد: "حسناً ناصر كنت فقط أصلي المغرب ولتوي انتهيت من الصلاة"
"إذا هيا بنا إلى سفرة الأحلام" وغمز ناصر لزوجته سعاد مداعباً ..!
فردت سعاد بحسٍ ساخر: "وماله ادلع يا قدع!!"
ضحك ناصر وسعاد بعد هذه الممازحة اللطيفة واتجها إلى السيارة في انتظارهما, رانج روفر كانت بيد السائق (عبيد).
ركبا السيارة وانطلق عبيد متجهاً إلى مطار الملك خالد بالرياض.
سأل ناصر زوجته سعاد عن ابنهما راكان الذي يبلغ أربعة أشهر من عمره عن ما إذا كانت سعاد متأكدة أنه ولن يكون حملاً ثقيلاً على أختها حتى عودتهما من السفر؟
فأكدت سعاد أن راكان لن يكون ضيفاً ثقيلاً على أختها أبداً حيث أنها تحب الصغار ولم ترزق بعد بطفلٍ يلبي حاجتها ويقف إلى جانبها حينما يكبر.
بادرت سعاد زوجها بتساؤل حيث قالت: "لماذا اخترت مصر تحديداً لسفرتنا هذه؟"
أجاب ناصر: "لأنها قريبة ومسلمة وعربية وأسعارها مناسبة" أطرق ناصر قليلاً ثم تابع قائلاً بابتسامة عريضة: "وأريد رؤية الأهرامات!!"
ضحكت سعاد من تصرفات زوجها اللطيفة, ثم قالت: "ما رأيك سترى الأهرامات مع أغلى إنسانة في العالم!!"
ضحك ناصر ثم قال: "سعاد لا تزكي نفسك أعرف حبك تماماً أيتها الماكرة!!"
فما إن أنهى جملته الأخيرة حتى ضحكا جميعاً.



الفصل 1

كان راكان في استراحة بسيطة عند خالته نوال , حتى يعود والداه من سفرهما.
كانت نوال هي أخت سعاد الكبرى وتكبر سعاد بأربع سنوات, كان ناصر رجلُ يعرف بثرائه حيث كانت أسرته من أغنى الأسر في الرياض رغم صغرها وقلة أفرادها, لم يعتد راكان إلا على الدلال والجمال, والعذوبة والاطمئنان.
كانت نوال أمام أمانة كبيرة تلعب بين كفيها إنها راكان ذلك الطفلُ المدلل .. قد يغيب ناصر وسعاد في سفرتهما هذه مدة لا تقل عن ثلاثة أسابيع, قد يزورون فيها أماكن أخرى غير مصر الشقيقة, فكان الهم الذي يتوجب على نوال أن تداريه هو راكان الذي لم تربي أحداً قبله بل لم يسبق لها أن عاشت مع أطفال صغار من قبل.

نوال متزوجة من رجل طاعن في السن قارب عمره الثمانين وقد تزوجها بعد طلاقها من زوجها الأول, بعدما علم أنها "عقيم" لا تنجب!
كانت تسكن في منزل متواضع مع هذا الكهل بحي الملك فهد, بعكس أختها المدللة والتي تسكن في قصر كبير قد ملئ بالخدم والحشم وسط حي النخيل.

أخذت نوال تنظر بحنان ولطف إلى ذلك الطفل الصغير بجوارها, "راكان" كم كانت تحلم بأن تحضن طفلاً إلى حجرها, أحبته كثيراً وتمنت أن يكون ولداً لها.
أخذت تداعبه وتمازحه وتضاحكه, وتلعب معه في صالتها المتواضعة.



الفصل 2

وصلت الرينج روفر لصالة المغادرة "صالات المغادرة الدولية" توقف عبيد عند باب الصالة ونزل حتى يساعد كفيله ناصر بتنزيل بعض الأمتعة على العربية الخاصة بالمطار, ودع عبيد كفيله ناصر عند بوابة المطار ورجع إلى المنزل بعد أن تأكد من أنهما ليسا في حاجته.

اتجه ناصر وسعاد إلى بوابة البوردنق وقف في طابور الناس حتى يأخذ تذكرته وتذكرة سعاد, وصل دور ناصر وطلب من الموظف تذكرة المركب الخاص به وبسعاد, أخذ التذاكر واتجه هو وسعاد إلى بوابة الطيارة الخاصة بهما إنها الـ 7:20 بعد المغرب بقي على الإقلاع ساعة وعشر دقائق تقريباً دخلا الصالة الأخيرة بعد أن تجاوزا بواب الجوازات, أنهى ناصر الإجراءات النهائية له ولسعاد ثم توجها إلى المقاعد الخاصة بالطائرة منتظرين بوابة الدخول تعلن فتح أبوابها.

أُعلن في المطار عن فتح بوابة الطائرة الخاصة بناصر وسعاد, تدارك ناصر لتوه أن النداء لبوابتهم (23) فنهض مسرعاً هو وسعاد ليلحقا بالطائرة.

دخلا الطائرة وأبرز ناصر تذكرته للمضيفة حتى يتعرف على مقعده في الطائرة هو وزوجته سعاد, وجد ناصر مقاعدهما في الدرجة الأولى جلس مع سعاد في مقعدين متجاورين بقرب نافذة الطائرة, بدأت تعليمات القائد قبل السفر, ثم دعاء السفر ثم بدأت الطائرة بالسير حتى تقلع وظهرت الإشارة البرتقالية بربط أحزمة الأمان, فربط ناصر حزامه وكذلك سعاد بعد أن لهجا بدعاء السفر.

بدأت الطائرة في الإقلاع حتى استوت وسط السماء متجهة إلى مصر.




الفصل 3


في تمام الساعة السابعة صباحاً جاء اتصال على هاتف نوال أيقضها من نومها رأت رقم المتصل إنه لا يحمل اسماً من قائمة الهاتف, غير أنها اختارت أن تجيب عليه حتى تتعرف على ماهيته وتعرف ما يمكن أن يريد.

أجابت نوال: "نعم".
"السيدة نوال معي؟" بدا لنوال أنها لا تعرف هذا الصوت من قبل وأنه غريبٌ عنها تماماً كان المتصل في الجهة الأخرى:-
"هاتف السيدة نوال؟!!"
ردت نوال متداركة الموقف: "نعم أنا نوال ولكن من تكون؟"
فعرف بنفسه المتصل, سألت نوال: "أهلاً بك أخي ما الأمر؟"
بدا المتصل في الكلام ونوال تستمع, أصيبت نوال بالذعر مما سمعت ثم هتفت بقوة, "وأين هما الآن؟".
ثم صمتت قليلاً تستمع.
"لا حول ولا قوة إلا بالله, ما هذه المصيبة, وكيف نتجه لمكان الحادث بسرعة تكلم؟؟"
بدا أن المتصل يجيبها, ثم توقفت نوال فجأة عن التركيز وبدا كل ما أمامها ضبابياً فبدا دوار في رأسها, صرخت ثم سقطت على الأرض, كان زوجها الكهل لا يزالُ نائما قبل أن تصرخ إلا أن صرختها أيقظته من سباته, فنظر إلى مكانها ولم يجدها ووجد السماعة في آخر السرير تقدم إلى السماعة ورفعها وتحدث: "نعم ما الأمر؟"

لم يكن أحد في الجهة المقابلة غير: "طووووط طوووووط طوووووط!!"

نظر عبدالله إلى الأسفل وإذا بزوجته على الأرض ذهل من الموقف قام بتثاقل من سريره واتجه إلى نوال, أخذ يحركها ويهتف بها: "نوال, نوال" يضرب خديها ضربات خفيفة "نوال أجيبي" أحضر كأساً من الماء ثم رشه على وجهها.

شَعُرَتْ بألم حاد يجتاح وجهها, ارتعدت وخافت أرادت أن تتخلص مما هي فيه عله كابوس ينتهي بعد أن تستيقظ نهضت مرتعدة عرفت أنه ماء بارد كان على وجهها ووجدت زوجها بجانبها, سألته مسرعة "لماذا أنتَ هنا؟"
أجابها بسؤال آخر: "بل لماذا أنتِ هنا؟"
تذكرت ما حدث لها قبل قليل ثم ارتعدت, لأن ما حدث لم يكن حلماً بل كان حقيقة.
سألت زوجها: "هل نحن في حلم أم في حقيقة؟"
لم يصدق زوجها هذا السؤال فأجابها: "نوال ما الذي أصابك هل أنت بخير؟ ومن كان المتصل وماذا يريد؟"
أجابت نوال مرعبة: "وقع حادث" ثم بدا عليها البكاء فجأة وازداد بكاها وزوجها الكهل بجانبها لا يعرف ما الموضوع, كرر عليها: "نوال ما الذي حدث؟ أجيبي"
ردت نوال بصوت متكسر متألم: "اختفت طائرة ناصر وسعاد بعد أن تلقى مطار القاهرة إشارة بعطل في الطائرة الليلة الماضية" ثم تنهدت قليلاً وتابعت بعد أن رجعت أنفاسها من جديد وهي لا تزال تبكي "ولم تصل الطائرة حتى الآن ولا يعرف أين هي والبحث عنها جاري منذ ست ساعات تقريباً".
ذُهل عبدالله مما تلفظت به نوال أخيراً, ولم يكن يعرف ماذا يمكن أن يفعله, ولم يخطر في باله إلا أن يتصل بشقيق ناصر الوحيد والذي يكبره بسبع سنوات تقريباً.

تناول عبد الله هاتفه بعد تثاقل في مشيته وأخذ يدير الأرقام ليجد رقم أحمد شقيق ناصر اتصل مباشرة على رقم أحمد: "السلام عليكم"
"وعليكم السلام, مرحباً"
"أحمد أعرف الوقت متأخر لكن الموضوع خطير!"
"أي موضوع يا عبدالله أنا أستمع"
"أخوك ناصر في خطر!"
"أي خطر؟ وما الذي حصل له؟"
"اختفت الطائرة التي أقلته وزوجته ليلة البارحة"
"حسناً أعطني رقم المتصل الذي أبلغكم"
"إنها صديقة قديمة لزوجتي قرأت الخبر في إحدى الصحف الإلكترونية بعد أن تعرفت على رقم الرحلة!!"
"حسناً, شكراً عبدالله سأتصرف بإذن الله"

مضى يوم كامل لم يسمعوا أي أخبار عن الطائرة, وكانوا في تلهف لمعرفة أسماء الناجين حتى تتأكد نوال وزوجها وأحمد وغيرهم بما حدث لإخوانهم وذويهم..!!

جاء الخبر في اليوم التالي كالصاعقة على أقرباء ناصر وسعاد:

-------------
بحمد الله وتوفيقه تم العثور على الطائرة السعودية والمتجهة إلى مصر التي وقعت في حادث أثر تعرضها لعطل مفاجئ في المحرك الليلة قبل الماضية
ولم يكن من الناجين غير خمسة عشر شخصاً وهم التالية أسماءهم:
أحمد زكي
حسن محمد
عبدالإله ناصر
حسني جوهر
عبدالكريم محمد
عمر يحيى
أحمد سليمان
لميس عبدالعزيز
نهى غالي
أحلام عبدالله
عائشة أحمد
لطيفة عبدالرحمن
ريم سلمي
سكينة رضوان
سارة خالد

متمنين للأحياء طول العمر والحياة السعيدة, وللأموات المغفرة والرضوان, ولذويهم الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.
-------------
صعقت نوال مما قرأت في الخبر عن الطائرة, لم تصدق الخبر جن جنونها وبدأت تصرخ باسم أختها, وزوجها يحاول تهدئتها بألطف الكلمات, التفتت نوال إلى زوجها وقالت وهي تصرخ: "أختي الوحيدة لم يعد لي غيرها بعد وفاة نورة – الأخت الكبرى - لم أعد أحتمل المزيد سعاد آخر العنقود وهي الأخت الحنونة الأخت الكريمة لا حول ولا قوة إلا بالله, لا حول ولا قوة إلا بالله" وبدت تبكي بمرارة على سعاد تبكي على الملكة الثرية والحنونة الرحيمة لم تكن تبخل على نوال آلاف الريالات بل كانت تعطيها وبسخاء ومن دون إرجاع كانت فعلاً أختاً وفية طيبة القلب رحيمة عطوفة.

لم تفقد أختاً فحسب بل فقدت كياناً كان يضم أكبر قلب وأبر قلب وأحب قلب إلى نوال لم تفكر يوماً بفقد سعاد ولم يكن ذلك ليمر في تفكيرها ولو مروراً.




الفصل 4

مرت الأيام والمرارة تقطع قلب أحمد شقيق ناصر, تألم كثيراً لفقد أخيه الأصغر, لم يكن فراقه هيناً أبداً.

بدأ أحمد ينهي بعض إجراءات الولاية والوكالة, وبدأ يبيع أملاك شقيقه ناصر ويجمع ثروته حتى تكون متوفرة محفوظة لراكان إذا احتاجها يوماً ما.
وكما أن لوالده راتب صار يحسب للتقاعد بعد وفاته فإنه جاري لابنه راكان.
جمع الثروة وأمن راتب راكان أنهى الكثير من الإجراءات النظامية الخاصة بكفالة راكان والقيام بحقه.
ثم بدا يتدارك نفسه وتساءل عن راكان فتذكر أنه عند خالته نوال قرر أن يستضيفه عنده ويربيه بعد أن قضى أربعة أشهر عند خالته نوال فهو ابن أخيه كما أنه وليه الشرعي.

تناول أحمد هاتفه وأخذ بالبحث عن رقم عبدالله حتى يتصل عليه, اتصل أحمد على عبدالله وطلب لقاءه بعد يومين في منزله بعد صلاة المغرب مباشرة, أجاب عبدالله: "نعم لا مشكلة حياك الله"

انتظر العم أحمد والذي يبلغ من عمره 45 عاماً يوم الأحد الذي أخذ فيه موعداً مع عبدالله زوج نوال وإلى ذلك اليوم كانت هناك إجراءات بسيطة أنهاها العم أحمد.

وفي الموعد استعد أحمد للذهاب ثم انطلق متجهاً إلى مكان راكان ابن أخيه الوحيد.
وصل إلى منزل عبدالله, ترجل من سيارته, وصل الباب ليضرب الجرس, انتظر حتى يفتح الباب, فتح الباب وإذا بعبد الله هو من يفتح الباب فتقدم بخطواتٍ ثقيلة حتى يصافح أحمد, صافحه أحمد وحياه وتمنى أن يكون في تمام الصحة والعافية.

أدخل زوج نوال العم أحمد إلى داخل المنزل إلى المجلس تحديداً, جلس أحمد بكل هدوء وعبدالله يحييه ويرحب به ويسأله عن أخباره, وأحمد يرد عليه ويجيب أسئلته, كانت جلسة لطيفة ممتعة مع عبدالله الذي ضيفه بالقهوة والشاي وتبادلا أطراف الحديث عن أمور مختلفة في شتى أمور حياتهم.

جاءت الفرصة المناسبة ليتكلم أحمد عن الموضوع المهم, فاتح أحمد عبدالله بالحديث حول هذا الموضوع بقوله: "أخي عبدالله هناك أمر أتيت خصيصاً لأجله وأتمنى أن أقضيه عندك!"
رد عبدالله: "نعم تفضل لم تطلب شيئاً أنا أستمع إليك!!"
"راكان ابن أخي يجب أن يكون تحت رعايتي الآن فقد مر وقت كافي حتى آخذه عندي!!"
"ولكن يا أحمد ألا تريد أن تـ:-"
قاطعه أحمد قائلاً: "أخي عبدالله أعرف ما يمكن أن تقوله ولكن لابد أن يكون الآن عند عمه, وأدنى ما في الموضوع ماذا سيقول الناس عني"
رد عبدالله: "حيرتني في الرد عليك يا أحمد وقد أجبرتني على خيار واحد, لكن يبقى الأمر لخالته نوال وكما تعرف فهي متمسكة به كثيراً"
"حسناً يا عبدالله, سأذهب الآن ولكن أخبرها أني سآتي بعد يومين لآخذ راكان فهو ابن أخي الوحيد وأنا وليه الآن والمسؤول عن تربيته كما تعلم, فأريده أن يتربى مع أبنائي حتى يكون بينهم لحمة قوية ويعتبرونه منهم"

أجابه عبدالله: "حسناً كما تريد سأنقل لها ما ذكرت بإذن الله".
ثم ودع العم أحمد عبدالله وطلب منه أن لا ينسى ما ذكر له الليلة, ثم مضى.



الفصل 5

وصل الخبر إلى الخالة نوال بشأن راكان, كانت نوال حذرة من هذه اللحظة ولا تريدها إطلاقاً, ردت نوال وعيونها تمتلئ بالدموع: "عبدالله كيف يطيب خاطري إن رحل راكان ابن أختي رحمها الله, كم كنت أحلم بابنٍ أربيه أقوم عليه أكون معه أمه وحنانه وحياته, لا تنسى أن أختي سعاد من أعز الناس إلى قلبي لم تبخل علي بشيء ولم تمنعني من شيء, كانت أختاً وأماً وابناً كانت الحياة بأكملها في عيني".
تنهدت قليلاً ثم تابعت:
"إنها تسعى جاهدة أن تكون حياتي سعيدة, تحب أن ترى البشر والسعادة على وجهي دائماً, كثيراً ما تقف إلى جانبي تواسيني تخفف من جراحي, ولابد أن أرد ولو جزءً يسيراً من معروفها كما أني سأربي ابنها ليكون ابناً لي أيضاً".

تم صمتت قليلاً لا تعرف كيف تواصل حديثها وهل سيكون مجدياً أصلاً أم أنه مجرد تعبير عن المشاعر وحسب؟؟!

التفت إلها زوجها وعيناه تغرق في دموعه ثم قال: "نوال أفهم مشاعرك, وأعرف ما تريدين, ولو كان الأمر بيدي لما بخلت عليك بشيء, لكن هي مشيئة الله تبارك وتعالى, لا اعتراض على حكمه, ولا قدرة لي بغيره"
صمت قليلاً وأخذ ينظر للأسفل وبعد تأمل واصل حديثه: "كنت أتمنى أن يبقى راكان بين أظهرنا ولكن عمه أولى منا وهو وليه والقائم بأمره يا نوال, ولا أستطيع منعه من ذلك"

ثم صمت قليلاً وراح يتأمل وجه نوال وتأثرها بالموضوع, حمد الله على كل حال وقام من مجلسه حتى يغير من جو الحزن الذي خيم عليهم.

وبعد يومين أتى العم أحمد ليأخذ راكان إلى داره وكانت تلك اللحظات عصيبة على قلب نوال فلم تحتمل ذلك ولم تكف عيناها من البكاء بل حتى قلبها أخذ يبكي بكاءً مريراً, فقد أقام راكان أربعة أشهر عند خالته نوال لن تنسى لحظاتها ودقائقها الرائعة إطلاقاً فهي من أحلى الأيام التي مرت على نوال.

رحل راكان مع عمه أحمد وترك وراءه موجات من الحزن تعتصر قلب نوال, خالته الحنون.
وكانت تردد: "ستأتي عندي يوماً ما بإذن الله تعالى!!"

رحل راكان وبقيت نوال تقضي يومها كما كانت تقضيه قبل راكان لوحدها معظم الوقت أو تداري زوجها في آلامه وأوجاعه.
رحل راكان وتركها وحيدة حزينة, تتجرع الألم من جديد, لم تكن تشعر بأن مثل هذا القدر من الألم ستعيشه لحظة واحدة, كان شعورها عميقاً جداً, وتحاملت على ألمها وحاولت جاهدة تناسي راكان في الوقت الحالي, حتى تستطيع أن تعيش بسعادة بعيداً عن كثرة التفكير والهموم التي لن تجلب لها غير الضيق والتعب.



الفصل 6

عاش راكان عند عمه أحمد عيشة ناعمة كريمة, لم يكن هناك ما يضايقه إطلاقاً, كان راكان يعيش مع أبناء عمه وكأنه واحد منهم, كان تحت وصيفة تقوم على شأنه وخدمته ورعايته, لم يكن هناك ما يضايق راكان غير شيءٍ واحد إنها زوجه عمه التي لم تكن تحبه يوماً من الأيام, بل كانت تتشاجر مع أحمد في سبيل إبقاء راكان أو ترحيله لمن يقوم على رعايته, ولم تكن زوجه عمه تكترث فيمن يمكن أن يربيه المهم أنها لا تريده وكانت تحسده كثيراً في ثروته ولا تريد من أحمد أن ينفق عليه ريالاً واحداً وهو صاحب هذه الثروة.

كان أحمد دائما يذكرها بأنه يتيم وأن المال مهما كان لا يعوض الإنسان أبويه, خصوصاً أنهما من أفضل الآباء, كان يكرر ذلك عليها كثيراً, إلا أنها لا تفكر إلا في ماله الذي يخزن لأجله, وكانت كثيراً ما تحسده على ما عنده.

ظل أحمد يحاول جاهداً أن يعيش راكان بعيداً عن نوايا زوجته, وكان يحذرها كثيراً.

عاش راكان كما كان عمه يريده أن يعيش بين أبنائه, وكان الحب بينهم متبادلاً وهذا ما كان أحمد يتمناه لابن أخيه راكان الذي لم يبقى له سوى عمه وخالته.

كبر راكان وبلغ من عمره سن الدراسة السادسة تقريباً ثم أدخله عمه المدرسة وكان يتابعه بحرص شديد, بدأ راكان في دراسته مجداً وقد بدا حرص أحمد على ابن أخيه واضحاً, فكان يرعاه بنفسه ويقوم على مراجعة أموره بنفسه.

حتى أن أحمد غلّب راكان في اهتمامه على أبنائه, لفرط حرصه على راكان.

كبر راكان أكثر وبدا يطرح بعض الأسئلة التي أتعبت عمه كثيراً.

كان يسأل دائماً: "أين أبي؟ أين أمي؟ أين إخوتي؟ لماذا أنا هنا؟ أين منزلنا؟"

كانت تلك الأسئلة تخترق قلب العم أحمد وتشعره بضيقة كبيرة, كان يجيبه دائماً أنا عمك وفي مقام أبيك وزوجتي في مقام أمك"

ولكن أمل زوجة أحمد لم تكن تشعره أبداً أنه في منزله وبين أهله بل كان حقدها عليه دفيناً لم تكن تحبه أبداً بل كانت تكرهه بشدة لما ترى من اهتمام زوجها المفرط به.
وهذا ما كان يشعر به راكان..!!



الفصل 7

مات زوج نوال قبل ثلاث سنوات لم تكن تعرف إلى أين تسير أو من تخاطب كانت ولا تزال تسكن في منزل زوجها الراحل وحدها ويسير راتب التقاعد لصالحها والذي لا يتجاوز الثلاثة آلاف ريال.

كانت تصارع وتكابد وحدها, لم تعرف أين راكان قريبها الوحيد والذي تنتظره بفارغ الصبر, لم يعد معها هاتف ولا سيارة, إنها تعيش بكل بساطة تأكل وتشرب وتعيش في ذلك المنزل الخرب, كانت تتجرع الآلام وتصارع الحياة.

إنه ألم الوحدة وفعائلُ الأقدار غير أن نوال صابرة محتسبة ترجو الفضل من الله سبحانه, تذهب أحياناً لدار قريبة من منزلها لتحفيظ القرآن الكريم, وكانت تتحاشى الناس والجلوس معهم, لأنها لا تريد أن تتكرر عليها بعض الأسئلة, بل ولا تريد أن تشعر بالضيق عندما تسمع من أخبار الناس وأفراحهم.

لم تكن نوال عمة ولا خالة إنها خالة فقط لراكان والذي غاب عن ناظريها ولم تره حتى الآن.

إنها الدنيا وهذا حالها, لم تعش نوال حياة عادية بل عاشت مرارة ولم تشعر بالحياة إلا من جانبها المر الذي تكالب عليها في الأيام الأخيرة, خصوصاً بعد وفاة أختها إنها زفرات حارة محرقة تخرج من صدر مثخن بالجراح وألم الوحدة ..!!

دارت الأقدار على نوال حتى تساقط عليها أحد جدران المنزل وهي في داخله.
ذعرت وبدأت تبكي وهي لا تعرف ما يمكن أن تفعله, انتظرت في داخل منزلها حتى الصباح, حيث انطلقت إلى أحد مكاتب العقار وكان توفيقاً من الله أن اختارت ذلك المكتب, أخبرته عن منزلها وعن حاله المتردي, وشكت له ما يمكن أن تفعله؟.

اقترح عليها صاحب المكتب بعد أن رأى المنزل أن تبيعه فلم يعد يحتمل المزيد إضافة إلى أن نوال لا تملك مالاً حتى تعيد ترميمه أو إنشائه.

سألت نوال ما يمكن أن تفعله في هذه الحالة؟
رد عليها صاحب المكتب أن تبيع المنزل وتشتري بدلاً منه آخر!!.
سألته نوال: "وكم سيقدر سعر المنزل الخرب هذا؟"
رد عليها: "تسعيرة الأرض تساوي ثلاث مئة ألف تقريباً, أما البنيان فلا يساوي شيئاً!!"
"وهل أستطيع أن أشتري منزلاً بهذا المبلغ الزهيد؟"
"نعم هناك شقق للتمليك فاخرة وحجمها معقول, وجميلة جداً"

بدا الموضوع أسهل مما توقعت نوال, ردت عليه بأنها ستفكر ثم تعود إن قررت شيئاً.



الفصل 8

بلغ راكان الثامنة من عمره وكان في الصف الثالث الابتدائي تقريباً كان يمارس حياته بشكل عادي كما يمارسها في الأيام الماضية كلها غير أن هناك مفاجأة تنتظر راكان في المنزل بعد عودته من المدرسة.

وصل راكان مع أبناء عمه من المدرسة لمنزلهم, وإذا بسيارة الإسعاف عند الباب, فزع الصغار من سيارة الإسعاف تطايرت قلوبه الصغيرة تقافزوا من السيارة متجهين إلى الإسعاف مباشرة وكانت زوجة العم أحمد عند باب السيارة تبكي بحرارة تقدم الصغار ليروا من في الداخل ولكن تداركت أمل الموقف وسحبت أبناءها إلى داخل المنزل ولم تكترث لراكان فصعد راكان إلى سيارة الإسعاف وجلس بقربه وكان ما أمام عينيه مشهد جعله مشدوهاً لا يعرف كيف يتصرف.

كان يشاهد عمه جاثماً دون حراك, ارتعد راكان من مصاب عمه ما إن بدا يستعيد تركيزه إلا وزوجه عمه عند باب الإسعاف تصرخ تنادي راكان لينزل عن السيارة فامتثل لأمرها ونزل وركبت هي مكانه وانطلقت السيارة إلى المستشفى, وبدا راكان لا يصدق ما شاهده لتوه, عمه ينام بلا حراك وفوق أنفه كمامة أكسجين وفي يده مغذي ملصق بلاصق شفاف, إنه منظر مؤلم حقاً, دخل راكان منزل عمه وقلبه لم يصدق ما رأته عينه ولكنه لم يترك لنفسه وقتاً طويلاً للهموم بل ألقى بجسده الصغير على سريره البني الجميل ذو النقوش الكرتونية لينام بعد تعبه من يومٍ دراسي طويل.

قررت المستشفى أن يدخل العم أحمد لغرفة العناية المركزة وزوجته لا تزال برفقته والبكاء رفيقها هناك, فقد كان العم أحمد يعاني من نزول حاد ومفاجئ بضغط الدم في جسمه, وكان قلبه يعاني كذلك من آلام سابقة فقد أجرى من قبل أكثر من عملية أنابيب وهي تغيير دوري بعد العملية الأولى.



الفصل 9

قررت الخالة نوال بعد تفكير عميق أن تترك منزلها الهرم وتنتقل لشقة من نظام التمليك, وكما بدا لها أنها أفضل وأضمن وأجدد, وأنظف وأرتب, قررت أن تنقل أثاث منزلها معها وما تحتاجه من لوازم.

ذهبت نوال إلى صاحب مكتب العقار أبو يوسف وأبلغته بقرارها, وهو أنها تريد بيع منزلها القديم, فوافقها صاحب المكتب وعرض منزلها للبيع بعد أن تحقق من ملكية نوال لهذا المنزل وثبوت صك رسمي يثبت ذلك, وضع أبو يوسف صاحب المكتب لوحة على جدار المنزل من الخارج وبدأ بتسويقه.

كانت مساحة منزلها تقدر بـ 380 م2 تقريباً حيث قدر أن يباع بـ 400.000 ريال تقريباً, ولا يزال المنزل تحت العرض حتى يحكم الله فيه.

مرت الأيام وبعد أسبوعين تقريباً اتصل أبو يوسف على الخالة نوال وأخبرها أن المنزل قد وصل للسعر المطلوب وأن الشاري عازم على الشراء, وافقت نوال على البيعة واتفقت معهم أن تذهب للمحكمة حتى تنهي أوراق البيت لهذا المشتري.

وفي اليوم التالي ذهبت نوال إلى المحكمة بسيارة أجرة وقابلت أبو يوسف ومن سيشتري المنزل, وتمت كل الأمور داخل المحكمة, وتم البيع بحمد الله.

كان لنوال مهلة أسبوع حتى تخرج من بيتها, فطلبت من أبو يوسف مساعدتها في شراء الشقة, ونقل الأثاث وما يلزم.

لم يمانع أبو يوسف من خدمة نوال حيث أنه قدر ظرفها وحاول خدمتها بما يستطيع.

ابتاع أبو يوسف تلك الشقة الجميلة الفسيحة لنوال بعد أن وافقت على ذلك وتم الشراء من الشركة المالكة باسم نوال, وكان سعر الشقة قريب من ثلاث مئة ألف ريال, وبقي لنوال مئة ألف ريال, اقترح أبو يوسف على نوال أن تشتري سيارة وتجعل لها سائقاً يقوم بخدمتها فمبلغ السيارة معها وراتب السائق من راتب نوال الذي يصرف لها من الدولة.

اقتنعت نوال بالفكرة فطلبت من أبو يوسف أن يساعدها في ذلك وأن يبحث لها عن سيارة بحدود 60 ألف ريال, كان أبو يوسف في منتهى الأمانة والنصيحة والصدق مع نوال, فقام بما تريد واشترى لها تلك السيارة التي رضيت نوال بها عندما رأتها واطمأنت لها إنها سوناتا جديدة غيرُ مستعملة.

استقدمت نوال سائقاً باسمها, كما استقدمت زوجته أيضاً وكليهما من إندونيسيا, لم تكن نوال تحلم بذلك ولكنها الآن تشعر أن الحياة انفتحت لها من كل الجوانب غير الجانب الاجتماعي, وبقي لها قريب من ثلاثة وعشرون ألف ريال, اقترح أبو يوسف أن يستثمرها لنوال, فقبلت أن يأخذ فقط ثلاثة عشر ألفاً, حتى تضمن أن يبقى لها جزء من المال إن خسرت مع أبو يوسف.

فبذل لها أبو يوسف ما يستطيع لخدمتها, ولم تقف عن شكره والامتنان له جزاء معروفه.



الفصل 10

كان العم أحمد لازال منذ ثلاثة أسابيع في العناية المركزة خرج منها مرتين ولم يتأخر حتى عاد إليها من جديد, وكانت حالته تزداد سوءً يوماًُ بعد يوم, وكلما استيقظ أو صحا سأل عن راكان وكيف هي أحواله, ودائماً ما ترد عليه زوجته بأنك مريض ولا علاقة لك براكان الآن إنه في المنزل لا تقلق عليه هو بخير إن شاء الله.

لم يكن العم أحمد مرتاحاً أبداً فهو يعلم كره زوجته لراكان, ولكنه في الوقت ذاته لا يستطيع فعل شيء خصوصاً أنه يتواصل مع من حوله بالإشارة لا بالكلام فالأجهزة تحيط به من كل مكان, وكان هذا يزيد من حالة العم أحمد سوءً, ولم تكن ترد عليه زوجته إلا أنه بخير ولا علاقة لك به الآن, وكان هذا الكلام يحرق العم أحمد يتمنى لو قدره الله ليجبرها على اصطحاب راكان معها.

تحامل على نفسه أكثر من مرة يحاول أن يجبر زوجته أمل على إحضار راكان ولكنه ما إن يحاول حتى تخور قواه ولا يستطيع فعل شيء.

كان راكان في تلك الفترة يسكن في منزل عمه أحمد رغم قسوة أمل عليه في بعض الأمور, وعدم اهتمامها لمأكله ومشربه وملبسه, وسائر شؤون حياته, كان يلعب ببراءة ولا يهتم كثيراً لأفعال أمل التي لم تكن تحرص عليه كما تحرص على أبنائها, وقد بدا لراكان التمييز في معاملته ومعاملة أبناء عمه الذي تتعمده أمل ولا تتعمده, فهي تتعمد الاهتمام بأبنائها ولا تتعمد الإساءة لراكان بمعنى الإساءة بل لأنه ليس من أبنائها إضافة إلى أنه قد ورث أموال والديه ويأكل ويشرب ويسكن على حساب زوجها ومن دون أن يتحمل أي .



الفصل 11

وقفت تلك السيارة أمام أنقاض أحد المنازل, كان فيها السيدة سارة إنها صديقة خاصة للخالة نوال سافرت سارة للدراسة مع زوجها تلك الأيام حيث علمت بوفاة سعاد وزوجها ثم علمت بعدها بوفاة زوج نوال إلا أن أخبار تلك العائلة انقطعت بعد وفاة زوج نوال ولم تكن تعرف ما الذي حصل لنوال وراكان ابن أختها بعد ذلك.

صعقت مما رأته أمام عينيها, أرض فوقها أنقاض منزل نوال, ذهلت مما رأته ولم تتخيل ما يمكن أن يحصل لصديقتها بعد ذلك الانقطاع, لم تكن سارة لتعرف الأمر الذي حل ولكنها فكرة أن تزور أمل علها تكون في بيتها لتسألها عن ما حصل في اختفاء نوال ومنزلها, وأين يمكن أن تجدها, اتجهت لمنزل أحمد, وكانت طوال الطريق تدعي الله أن تصل إلى نتيجة مرضية.

وصلت سارة لمنزل أحمد, أمرت السائق أن يطرق الباب ويسأل إن كانت أمل موجودة في المنزل, طرق السائق الباب ففتح راكان وسأله السائق فأجاب بأنها في المستشفى عند عمه أحمد, سمعت سارة راكان عندما قال عند عمي أحمد لم تكن لتتخيل أنه راكان ابن سعاد, نادته وكلها بشرٌ وسعادة: "من أنت؟ راكان؟"

أجابها راكان وهو مبتسم: "نعم أنا راكان ومن تكونين؟"
لم تصدق سارة ما سعت للتو كانت متحمسة لتسأله عن خالته نوال, نزلت من سيارتها وتقدمت نحو باب المنزل حتى أصبحت عند باب المنزل من الداخل.
لما أرادت أن تفتح سارة فمها لتسأل راكان سمعت تلك السيارة التي تقف عند باب المنزل أو قريب منه كذا بدا لها الصوت, نظر راكان خلف الباب ليرى من يكون القادم ثم قال: "هذه أمل زوجه عمي!".

اتجهت أمل إلى باب منزلها بعد أن ترجلت من سيارتها وإذا بها ترى تلك المرأة داخل باب منزلها تفاجأت أمل من وجود هذه المرأة, لم تكن أمل تعرف من تكون تلك المرأة, سلمت سارة وعرفت بنفسها, عرفتها أمل على الفور, ردت عليها أمل:
"ومن وين طلعتي بسم الله ما متي وريحتينا!!"

تفاجأت سارة من رد أمل عليها وكذلك راكان, ولكن لم تطل لحظات تعجب راكان حتى صرخت في وجهه أمل تأمره بالدخول إلى داخل المنزل انصرف راكان حتى تغافل زوجة عمة واختبأ خلف واحدة من أشجار الحديقة قريب منهما يريد أن يعرف من تكون سارة ولماذا ردت أمل عليها مثل هذا الرد, قالت سارة: "أعرف كرهك لأهل راكان والي كرهتيني بسبته بس ما كان كرهك بهالصراحة العجيبة"

أجابت أمل: "قولي لي من وين طلعتي يالأفعى السامة!!"
"ما تستحين على وجهك توني جاية ومن زمان ما شفتك وتقولين عني أفعى سامة وخير إن شاء الله"
"ما جاب لنا المر إلا أنتي وخوياتك, نوال وسعاد!!"
"احترمي نفسك ولا تنسين أنهم أهل راكان يا قليلة الأدب"
ارتجف راكان مما سمعه للتو من سارة التي بدت تتكلم بحرارة وخصوصاً لما قالت أن نوال وسعاد هم أهل راكان لم يكن راكان يعرف نوال التي تكلمت عنها سارة قبل لحظات.

ردت أمل على سارة: "وما خرب علي حياتي إلا راكان وأهله"
"ونوال وينها ليش ما خذت راكان؟!"
"ليش ما قالولك أن نوال ماتت عساك تلحقينها!!"
صعقت سارة مما سمعته من أمل التي كانت تتسم بالوقاحة وقلة الأدب مع سوء في الحديث.

ردت عليها سارة بكل حرارة: "ومتى ماتت؟ وكيف؟"
"روحي اسألي اللي موتوها, تلقينها انتحرت من كثر مشاكلها, روحي دوريها بيتي مو مزار لك ولأمثالك"

لم تحتمل سارة كلام أمل وثارت إلى أقصى درجة, كانت أمل في غاية الجرأة وهي تتكلم عن الخالة نوال ورغم ذلك لم تكتفي حتى تكلمت على سارة وعلى أهلها, تجرأت سارة وتقدمت بكل جرأة نحو أمل ثم رفعت يدها بشراسة لتصفع أمل على وجهها بكل قوتها, تداركت أمل الموقف بعد تلك الصفعة القوية ثم بدأت تصرخ وبدت في شباك مع سارة حتى احتد الشباك بينهما حيث سمع الخدم ذلك الصراخ وجئن مسرعات إلى أمل وسارة, سارعت الخادمات إلى فك الشجار وتسوية الموقف ولكن السباب لازال بينهما, وراكان يشاهد الموقف وهو مرعوبٌ تماماً, من كل ما سمعه للتو ومن تكون نوال؟!!

لم تحتمل سارة ذلك الموقف القاسي التي تلقته قبل قليل من أمل سحبت نفسها بعد أن دعت على أمل بالهلاك, وخرجت من الباب متجهة إلى سيارتها, بعد هذا العراك الذي دار بينهما وكانت تقول سارة بصوتِ مسموع: "الله يرشدني لنوال حتى ناخذ راكان من عيونك خالته أولى منك!!".

وأمل لا تزال تصرخ في سارة, غير أن سارة لم تكترث لها بعد الذي حصل بينهما, وراكان لا يزال في مكانه مشدوه إلا أنه تدارك نفسه ولملم شتاته ودخل البيت مسرعاً متجهاً إلى غرفة النوم.



الفصل 12

كانت الخالة نوال تنعم بمنزل جميل صغير يضمها ويكفيها, لم تكن تحب الزيارات أو حتى حضور المناسبات, بل كان الكثير من أقاربها بعيد عنها, فلم تكن تحتك بهم أو تهتم لاجتماعاتهم لأن الخالة نوال لم تكن تنتظر منهم شيئاً مهماً, وكذلك كونها وحيدة جعلها لا تخالط أحداً حفاظاً على مشاعرها كما تفكر هي.

كانت تذهب لبعض المشاركات الثقافية والمحاضرات وتدرس في دار للقرآن قريب من منزلها الجديد, وكانت تستثمر أيامها بالاطلاع والقراءة, وبدأت حياة جديدة اختارتها لنفسها.

كانت هذه أحلى الأيام التي عاشتها الخالة نوال في حياتها من الاستقرار والراحة والأمان.



الفصل 13

لم يزل العم أحمد يعاني من وقع الألم معاناة تزداد مع مرور الأيام, كان هاجس راكان ووضعه داخل المنزل ووضعه مع بقية إخوانه أمر يزيد الألم على العم أحمد, ولم تكن أمل تعرف ذلك ولم يكن يهمها أصلاً, بل لم تتفاعل مع تصرفات أحمد عندما يشتد انفعاله وهو تحت الأجهزة.

لم يكن العم أحمد يستطيع التحمل أكثر حتى ساءت حالته جداً وأصبحت العناية عليه أشد من ذي قبل.

كانت أمل في منزلها حين جاء الاتصال الذي طلبها من يد راكان, أخذت أمل السماعة وأجابت: "نعم أمل معك!!"
"أنا الدكتور المسؤول عن حالة أحمد أتمنى منك القدوم فوراً فحالة أحمد في خطر!!"
"وش فيه أحمد؟ صار له شيء؟ تكلم!!"
"تعالي للمستشفى بسرعة رجاءً!!"
"طيب طيب الآن أنا جاية"

سمع راكان كل ما قالته أمل في الهاتف, ارتجف خائفاً لا يمكن أن يتصور ما يمكن أن يحدث لعمه أحمد, قبض قلبه حين تذكر نبرة المتصل الجافة المتقطعة حين طلب أمل.

انطلق راكان إلى السيارة وركب قبل أن تركب أمل في المرتبة الثالثة حتى لا تراه أمل, ركبت أمل فانطلقت السيارة إلى المستشفى.

وصلت أمل إلى المستشفى واتجهت إلى العناية المركزة وراكان من خلفها, وعندما وصلت: "دكتور بشر أحمد صاير له شيء؟؟"
" كل قضاء من عند الله والحمد لله على كل شيء, لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بمقدار!!"
راحت أمل في ذهول مطبق كما أن راكان لم يفهم من تلك العبارات إلا أن عمه أحمد قد أصابه مكروه, فانطلق بسرعة داخل العناية المركزة خلف إحدى الممرضات وسأل عن أحمد عبدالمحسن حتى وجده مسجى في فراشه بلا حراك وقد فصلت كامل الأجهزة عنه, ارتعد وارتبك واتجه نحو عمه مسرعاً عمي أحمد وهو يتمسح به بقوة ويحاول هزه بقدر استطاعته, حتى لفت انتباه الممرضات ليبعدوه, وإذا بأمل تدخل العناية المركزة وهي على وشك الانهيار, فما إن رأت أحمد على السرير بلا حراك حتى سقطت مغمى عليها, فتسارعت الممرضات لنجدتها وتهدئتها.

وبدأ العزاء في بيت أحمد رحمه الله, ولم يكن مشهد وفاة أحمد سهلاً على راكان الذي اعتبر أحمد أباه وأمه وإخوانه.

توفي أحمد رحمه الله, وبدأ راكان حياة جديدة مع أمل زوجة عمه.
لم تكن أمل تعامل أحمد كما كانت تعامله قبل وفاة أحمد بل أصبح كرهها له أشد من ذي قبل, ولم تعد تطيقه أبداً, وكانت دائماً توسعه شتماً وإهانة مقابل أي خطئ يقوم به, أصبح راكان لا يطيق العيش في ذلك البيت المزعج, عاش سنتين من أسوأ أيام حياته قضاها في ظلم وتجبر وحياة بائسة مريرة لا ترضي الله ولا رسوله ولا أحد من خلقه.

في يوم غاضب عم البيت بعد أن أبدت أمل غضبها من راكان الذي كرهت وجوده في بيتها, واجهها بقوة الرجال وهو لا يزال فتياً صغير السن, قال لها بجرأة:
"أمل وين خالتي نوال؟ وليش طردتي سارة؟ وش سوت لك؟ وأنا وش سويتلك عشان تعامليني هالمعاملة؟"
ردت أمل بجفاء: "أنت مالك دخل وخالتي مدري عنها لا يكون تضن أني أمها ولا أختها تسألني عنها؟ وبعدين شف تصرفاتك وتعرف قدرك!, ولا عمرك ترفع صوتك علي!! (يا حيوان)"
زاد غضب راكان فانطلق إلى أمل وضربها من بطنها بقبضة يده الصغيرة, دارت عليه أمل ومسكته من شعره وأخذت تجره إلى باب المنزل حتى أخرجته من المنزل وقالت له ستنام اليوم في الخارج في ( الحديقة )!!

كانت تلك الأيام موحشة قاسية وكانت تجربته مع أمل تجربة مريرة قاتلة.

لم تصبر أمل كثيراً حتى أخذت راكان إلى دارٍ للأيتام حتى تتولى بتربيته بعيداً عنها!

إنها تلك القلوب التي لا ترحم, وتلك المشاعر التي لا تزال تحقد وتكره لسببٍ أو بدون سبب!.



الفصل 14

كبر راكان وترعرع في دار الأيتام حتى بلغ الثامنة عشرة من عمره, درس الهندسة وتخرج منها بمعدل عالي جداً, ثم استلم ثروته التي تركها له والده ووالدته رحمهما الله, غير أن راكان كان يعاني طيلة أيامه الخالية من الظلم والغبن جراء ما حصل له من حياة مريرة صعبة.

لم يعد راكان هو راكان بل أصبح راكان هو فيصل, غير اسمه قبل دخوله الجامعة لينسى ذلك الماضي السيئ, ولم يكن يتمنى أن يتذكر شيئاً من الماضي الذي أصبح حجرة في طريق فيصل كلما تذكره.

هناك أمر يتمنى فيصل أن يعرفه وهو مكان تلك المرأة الغريبة "سارة", كان يفكر فيها دائماً يتمنى الوصول إليها, انقطع فيصل عن أبناء عمه بعد أن دخل دار الأيتام ولم يعد يسمع عنهم شيئاً, بل نسيهم تماماً, ولم يعد يريد أن يتذكرهم بل يريد أن يعيش حياة بعيدة عن أي شيء يذكر بالماضي.

استقر فيصل في عمله الجديد بأرامكو السعودية, تقدم فيصل لخطبة امرأة كان يعرف أهلها عن طريق أحد زملائه في العمل, فتحسنت أمور فيصل وتزوج لمياء التي سعدت به كثيراً, كانت لمياء بمثابة الحياة الجديدة لفيصل, لم يمض وقت طويل على زواجهما حتى صارحها بكل أسراره ومخرجاً لها جميع همومه ومشاكله, حتى أنه بكى عندها لأول مرة من لوعة ما يشعر به, وكانت لمياء كالمرهم على جراح فيصل تطيب خاطره وتأخذ به نحو الأمان والحنان وتحاول أن تملأ عليه دنياه لتنسيه ما مضى من أيام عمره.

قال فيصل لزوجته: "لمياء أمي هي سعاد رحمها الله, ولها أخت اسمها نوال كما قالت تلك المرأة عندما زارتنا يوم كنت في بيت عمي, ولكن لا أعرف شيئاً عن نوال ولا أدري أين هي أو كيف أبحث عنها؟!, رغم أن أمل قالت بأنها قد ماتت إلا أني أجزم أنها تكذب ولكن لا أعرف الطريق إلى الحقيقة!! "

لم تصدق لمياء الخبر: "لديك خالة إذاً؟"
"نعم هذا ما فهمته من سارة, ولكن لا أعرف أين هي!!"

لم يكن فيصل يعرف كيف يتوصل لخالته نوال وهل هي لا تزال على قيد الحياة أم لا!!.



الفصل 15

فتحت عينيها, وأصبحت ترى الأشياء بضبابية غير أنها تميز الألوان من وراء ذلك الضباب, جلست على تلك الحال بضع دقائق حتى أحست أن لوحات الحياة بدأت تعود من حولها, وبدا نظرها يستعيد قوته, ولكنها لا تعرف أين هي الآن, ولما أمعنت التركيز إذا بها تتفاجأ من تلك الأسلاك المحيطة بها, وتلك الأجهزة التي أطنت أذنيها, وتلك الكمامة التي تخنقها, همت بتحريك يديها إلا أنها مكبلة, شعرت وكأنها في سجن لا تعرف الطريق إلى تخيل تفاصيله.
أحست بحرارة تجتاح صدرها وضيق يختنق في جوفها.
جلست على تلك الحال ساعة ونيف, حتى دخلت عليها إحدى الممرضات, فتطايرت عينيها في الممرضة وكأنها تطلب النجدة والمساعدة, حاولت الكلام ولكن قدرتها خانتها ولم تسعفها, حاولت وجاهدت دون جدوى وكأن محرك الأعصاب في جسمها يشكي الخمول, كانت تشعر بثقل عام في أنحاء جسمها, اقتربت منها الممرضة ولاحظت أنها عادت لوعيها, بادرتها الممرضة: "الحمد لله على سلامك يا طنط!, إن شاء الله أنك بخير!"
بالكاد كانت تسمع قول تلك الممرضة, وكأن أصواتاً حولها تصم آذانها عن سماع غيرها, فقط تسمع طنيناً يشعرها أنها تجلس بين مطاحن أو مصانع, لا تسمع سوى ذلك الطنين إلا ما كان أقوى منه, تركتها الممرضة ورحلت بعد أن أشرفت على أدوية المريضة.

شعرت برغبة ملحة في إغلاق عينيها لتغط بعدها في سبات عميق, لم تستيقظ منه إلا بعد نصف يوم تقريباً.

وعندما استيقظت أحست براحة أكبر, تعرفت بعدها على كل شيء حولها, كانت صدمتها قوية, بعد أن علمت أنها لا تزال على قيد الحياة, بدأت تتذكر تلك الذكريات المريرة التي أرعبتها وجمَّدت قلبها عن النبض بضع دقائق, كان الموقف مرعباً للغاية, وكانت تلك الصورة الأخيرة التي تدور في رأسها دموية مؤلمة لا تطاق.

شعرت بثقل في جسمها بعد كل تلك الذكريات المريرة المرة, وحاولت جاهدة صرف تفكيرها عن تلك المشاهد المؤلمة, حاولت أن تجد شيئاً من حولها يبعد تفكيرها عن ذكرياتها, دون جدوى!

لم تكن تشعر إلا بتلك المرارة القاتلة التي لم تفارقها!



الفصل 16

سألت سارة عن راكان بعد كل تلك السنوات ولم تكن تجد لسؤالها جواب زارت بيت أمل أكثر من مرة ولكنها كانت دائماً تطرد وكأنها متسولة!.

حتى جاء قدر الله لتنطلق إلى منزل أمل حيث وجدت أحد أبنائها عند باب المنزل, صرخت سارة: "السلام عليكم, ممكن خدمة يا ولدي؟! أنت ولد أمل؟"
"إيه أنا ولدها, تفضلي وش بغيتي؟"
"راكان ولد عمك تعرف وينه, ولا وش صار عليه؟؟!"
"لا والله يا خالة بس اللي أعرفه أنه في دار أيتام من يوم كان في خامس ابتدائي الحين مدري عنه والله, حتى ما أدري أي دار يا خالة, بس من أنتي حتى أبلغ الوالدة؟!"
"طيب ما قصرت الله يعافيك, أنا جارتكم من زمان وكاسر خاطري راكان لأنه يتيم, وودي أتطمن عليه!"

اتجهت سارة إلى دور الأيتام باحثتاً عن راكان ناصر التركي, طال بحثها إلا أنها لم تكن تصل إلى نتيجة, غير أنها تودع رقمها عند الجمعيات حتى يتصلوا عليها إن وصلهم أي خبر عن راكان.

كانت سارة طيلة المدة الماضية تبحث عن نوال إلى جانب بحثها عن راكان, إلا أنها لم تكن تعرف أي معلوماتٍ عنها, ولم تتثبت بعد من وفاتها.

بحثت سارة عن نوال كثيراً ولكن دون جدوى, حتى قررت لاحقاً أن تكتفي بالسؤال عن راكان فكان آخر وفائها بصديقتيها أن تربي أبنيهما فلا شك أنها أولى برعايته من دور الأيتام.



الفصل 17

غيرت نوال سكنها إلى قصر مشيد شعرت فيه بالأمان والاطمئنان, فقد ازدهرت تجارتها مع أبو يوسف ورزقها الله من حيث لا تعلم, وكانت مربية لأحد الأيتام الذين ترعرعوا في كنفها وتحت رعايتها, حتى كبر ذلك الابن ودرس الطب وأصبح من أميز أطباء البلد.

تزوج هذا الشاب وجلس في قصر نوال وقد أصبحت كبيرة في السن كما أنها خالته من الرضاع إذ أن سعاد أرضعته في صغره قبل وفاة أمه, ثم قدر الله بعد عدد من السنوات أن تموت والدته لينتقل إلى بيت نوال فترعاه وتقوم على أمره, وكأن الله بعثه إليها, كبر وشبَّ بين يديها وفي أحضانها, كانت الأيام التي عاشتها نوال مع عبدالله من أحلى الأيام التي طالما حلمت بها, إنه الطبيب عبدالله الذي يشار إليه بالبنان.

رغم ذلك إلا أن مكان راكان لا يزال فارغاً في قلب خالته نوال حيث لن يسده إلا هو, إنه راكان ابن أختها الوحيد ودائماً ما تتذكره, وكلما ضحكت مع ابنها عبدالله تذكرت راكان ثم اعتصر قلبها, حتى أن عبدالله بدأ يلاحظ ذلك الشعور على نوال غير أنها لا تجيبه على أسئلته بغير قولها المعتاد: "أنا بخير اطمئن!"

مع أن نوال لم تكن تعرف عن وفاة أحمد, لكنها كانت تحاول جاهدة تجاهل كل شيء عن الماضي, لشعورها بالغربة والبعد.

ولكنها قررت فعلاً أن تذهب لمنزل أحمد وكان عنوانه مسجل عندها في ورقة قديمة, طلبت من عبدالله أن يأخذها لذلك العنوان, بكل سرور أجابها عبدالله موافقاً.

تم تحديد يوم الذهاب حتى إذا جاء ذلك اليوم, ركبت نوال سيارة عبدالله متجهين إلى عنوان أحمد, لم تدم تلك الدقائق التي قضوها في السيارة وإذا بسيارتهم تحط عند باب منزل العم أحمد, نزلت نوال من باب السيارة, وعبدالله لا يعلم عن صاحب هذا المنزل ولا حقيقة قدوم نوال إلى هنا!, فلم تذكر له نوال أي شيء من تاريخها الماضي أبداً, وكل ما يعرفه عبدالله أن زوجها توفي وليس لها من أقارب يزورونها أو تزورهم غير أختها سعاد التي أرضعته وقد توفيت في حادثة طيران , ثم فضلت بعد ذلك أن تكون بعيدة عنهم.

طرقت نوال الباب, وفتح لها الخادم ليسألها: "من تريدين يا سيدتي؟"
"هذا منزل أحمد التركي"
"نعم إنه هو, هذا منزله رحمه الله!!"
ذهلت نوال مما سمعت, ثم سألت بسرعة وبصوت كان مسموعاً لعبدالله: "منذ متى رحمه الله؟!"
"منذ ما يقارب الـ 12 سنة تقريباً!"
لم تصدق نوال الخبر ثم سألته بسرعة: "وهل أمل موجودة؟!"
"إنها في الداخل, سأناديها الآن!"

جلست نوال في حالة من الذهول غير مصدقة لما سمعت, وكيف لم تعلم بموت أحمد, ولا تعرف أخباراً عن راكان, إلا أنها بدأت ترجف لأنها تستشعر قربها من راكان الآن.

طلبت أمل من الخادم أن يدخل تلك المرأة, فدخلت نوال, منزل أمل, وتقدمت نحو الباب وأمل في انتظارها إلا أن أمل لم تكن تعرفها بعد, فلما قاربت نوال وصول الباب الداخلي, وإذا بها تسمع أمل تقول: "هذا أنتِ, من وين طلعتي, ووين كنتِ فيه؟؟!"

مباشرة وبلا مقدمات: "أمل وين راكان؟!"
"لا أدري!"
"كيف لا تدرين؟!"
"الصراحة ما أعرف أي شيء عن راكان!!"

بدت نوال في دهشة غير عادية, وصرخت في وجه أمل: "كيف ما تدرين عنه, ما تربى عندك ؟!"
ردت أمل بكل وقاحة: "لا, من قال أن راكان تربى عندي؟!, حطيته في دار الأيتام قبل عشر سنوات!!!"

لم تستطع نوال استيعاب الخبر الذي سمعته للتو, ثم بدأت نوال تغضب وتغلي, واتجهت إلى أمل ثم سألتها بنبرة حادة: "أمل أحسن لك تقولين لي عن مكان راكان, ماله داعي أسوي شيء نندم عليه كلنا!"

ضحكت أمل متجهة إلى داخل منزلها: "من عشر سنوات ما أعرف عنه شيء وتبين أقولك الحين بعد كل هالسنوات, ليش وأنتي توك تصحين؟!"

بدأت نوال بموجة عارمة من البكاء, ثم اتجهت إلى خارج المنزل, حتى وصلت السيارة وقواها على وشك الانهيار وهي لا تزال تبكي, فز عبدالله من مكانه وساعدها على الركوب, إلا أن موجة البكاء كانت مستغربة عند عبدالله, ولكنه لم يسأل لكون الموقف لم يكن مناسباً للسؤال عن أي شيء.



الفصل 18

كانت لمياء طالبة في جامعة الملك سعود بالرياض قسم التربية, وقد تعرفت على فراشة في الكلية, عمرها قريب من الخمسين تتميز بالأدب والاحترام, وكانت تحب كثيراً أن تجلس مع لمياء, بل وكانت لمياء تأنس مجلسها دائماً.

حتى جاء ذلك اليوم الذي شكت فيه تلك المرأة العاملة إلى لمياء حال صديقة لها فقيرة لا تجد قوت يومها ولا عمل لها, فسألت لمياء أن توظفها عندها أو تسعى لها في عمل ما, فأبدت لمياء موافقتها في عمل تلك الفقيرة عندها, براتب شهري وسكن داخل البيت, وقد بدت موافقة لمياء على عمل تلك المرأة لا لذات العمل بل لتكون قد أحسنت إليها.

وفعلاً جاءت تلك المسنة ودخلت على لمياء في قصرها, واتفقت مع لمياء على نوع العمل الذي ستعمله في ذلك القصر, فوافقت عائشة على ذلك العمل وبدأت تعمل عند لمياء.

مرت الأيام وعائشة تشعر بحال أفضل من حالها السابق, رغم ارتياحها في بيت فيصل, إلا أن فيصل لم يكن لطيفاً معها إطلاقاً, بل كان قاسياً مع النساء المسنات, لكرهه الدفين لزوجة عمه أمل, فكان لا يرحمها بل ويقسوا عليها وفي أحيان يتخيل أنها أمل, فيصرخ عليها بقوة, ولا يقصر في ظلمها!, حتى قالت له لمياء ذات مرة: "فيصل, اتق الله هذه امرأة مسنة, لا حيلة لها فيما جرى لك لماذا تقسو عليها وإذا أخطأت أمل فليس كل النساء مثلها!"

"لا أدري يا لمياء ولكن كلما قابلتها أشعر بموجة من الغضب لا أعرف من أين رغم أن داخلي يقول لي لا تصرخ عليها, فهي امرأة كبيرة, وهناك أحاسيس توددني إليها, ولكن ما إن أشعر بتلك الأحاسيس حتى تغيب عندما أقابلها".

كانت عائشة رغم ما تلاقي من قسوة فيصل صابرة محتسبة فهي في مقام الخادمة عندهم وإن اعترضت فلاشك أن مصيرها هو المكان الذي جاءت منه!, وهي الآن تشعر بالأمان وحياة أفضلُ من حياة زمان!.



الفصل 19

"يموت أناس ليحيا آخرون"

كانت تلك المرأة التي تنام على السرير الأبيض هي: "سعاد" بدمها ولحمها وكل ما فيها!!
إنها على قيد الحياة, بعد كل تلك التجربة المريرة, وتلك الرحلة المشئومة تصل سعاد لتلك المستشفى, لتجلس فيها بغيبوبة دامت أكثر من سنتين وغياب تام عن الوعي, عادت للحياة بعد تلك الأشهر التي مضت رأت الحياة بألوانٍ مختلفة لم تكن تتخيل أن تعيش بعد ذلك الحادث المرعب.

نعم, إنها على قيد الحياة!! ولكن! أين سعاد وأين ذلك المستشفى الذي احتضنها؟
إنها في مصر الشقيقة, كانت تنام على أسرتها وتعالج من جراحها هناك, أصيبت بجروح أثرت في معالم وجهها تأثيراً ملحوظاً ..
إنها لم تعد سعاد الأولى بل أصبحت سعاد الجديدة, إذ تم تغيير اسمها وكذا جنسيتها فسجلت مصرية, فقد اشتبه فيها بمواطنة مصرية كانت معها على متن تلك الطائرة, فكان من نصيب سعاد أن تأخذ مكانها فتموت سعاد لتحيى تلك المرأة المصرية, هكذا وجدت سعاد نفسها, تلعب دور غيرها في حقيقة واقعية وليس في دور تمثيلي!!.

أصيبت بالدهشة والخوف الشديدين, كيف حدث ذلك لها وما معنى تلك الأمور التي تكتشفها يوماً بعد يوم, نعم أصبحت "مصرية", وهي لا تعلم ذلك إذ أنها أفاقت من تلك الغيبوبة على تلك الجنسية ولا تعرف كيف حدث ذلك أو كيف كان, وهل هناك أحدٌ وراء الموضوع؟

أسئلة كثيرة تدور في رأسها غير أنها لم تجد لها أجوبة, مرت الأيام ولا تزال مصرية حتى أنها لم تجد من يقف إلى صفها أو يساعدها, بل وجدت أنها في الدنيا وحيدة لم تستطع الوصول إلى عناوين أهلها, ولا تعرف الخلاص من حالها, بل أنها لا تعرف كيف تصل إلى ذوي تلك المصرية التي ماتت!!.

مرت تلك الأيام ومرت غيرها, لتنخرط سعاد في حياتها الجديدة بعيدة عن أهلها وابنها راكان الذي لا تعرف ماذا حل به وأين هو الآن, أصبحت تبكي كثيراً, لا تجد الطريق إلى الخلاص, ولا الراحة, تشعر دوماً بجحيم يشتعل في صدرها.

اختلطت هناك بين الملايين فلم يعرف صوتها ولم تعرف شخصيتها, إنها تقاسي دون أن يشعر بها أحد, كانت كثيراً ما تكتم همها في صدرها وتصبر, عل الله أن يكتب ذلك في ميزان حسناتها.



الفصل 20

لم تكن سارة ترغب في غير البحث المستمر عن راكان في دور الأيتام, واصلت البحث عن راكان متفائلة بوجوده ولم تترك داراً للأيتام إلا ودخلتها بل أودعت رقم هاتفها عند كل الدور التي مرت عليها.

مرت الأيام ونوال تبحث عن راكان أيضاً لكنها لم تخبر أحداً ببحثها, انتقلت من دار إلى دار ومن مؤسسة إلى أخرى, فلما دخلت إحدى الجمعيات لتسأل عن راكان كما هي عدتها, وإذا بالموظفة تسأل نوال: "أنتي جيتي قبل, وسألتي عن راكان مو كذا؟؟!"
"لا, أول مرة أدخل هالجمعية!"
"مو أنتي أم محمد؟!!"
"لا, أم محمد تسأل عن راكان التركي؟؟!!"
"ايه تسأل عنه مثلك, وحطت رقمها عندي"
أخذت الحماسة نوال "هاتي الرقم الله يخليك إذا ممكن!!"
"طبعاً, تفضلي!"
أخذت نوال الرقم وبدأت تتصل بإرباك غير طبيعي, الخط مشغول أعادت الرقم ولازال الخط مشغول, ونوال لا تزال مرتبكة لا تدري من تكون تلك المرأة التي تبحث عن راكان؟؟!.

شكرت نوال الموظفة, ثم اتجهت إلى سيارتها وأمرت السائق بالرجوع إلى المنزل.

وصلت لمنزلها, ولما دخلت إذا بعبدالله في الصالة مع زوجته, وكان مشهد الإرباك واضح على نوال, سأل عبدالله: "عسى ما شر وش فيك يمة؟!"

"ما فيه شيء كل شيء خير إن شاء الله!"

جلست نوال بقربهم في الصالة وأدارت الرقم, وإذا به يتصل تسارع نبضها وبدأت تتعرق, وعبدالله وزوجته يرقبان المشهد دون معرفة بالموضوع, فقط كانا يراقبان بصمت.

أجاب الهاتف: "نعم!!"
نوال: "السلام عليكم"
المتصل عليها: "وعليكم السلام, هلا والله, من معي؟!"
"أنتي مين, أخذت رقمك من دار الأيتام, من أنتي وليش تدورين راكان"
المتصل عليها بارتباك: "ليييش من أنتي, وليش تسألين؟؟!"

وعبدالله سمع "راكان" و"دار الأيتام" ولا يعلم ما الأمر؟؟!!

توقفت نوال عن الحديث فجأة, ثم بدأت بالبكاء بقوة وسقطت السماعة من يدها, مدت يدها لتأخذ السماعة وهي ترجف بقوة, قام عبدالله وناول نوال سماعة الهاتف بعد أن وضعه على المكبر والمتصل عليها في الطرف المقابل لم تعرف من تكون نوال لأنها لم تفصح عن نفسها بعد.

أخذت نوال الهاتف وبدأت تتكلم, "أنتي ساااا ساااااارة .."
ارتعدت المتصل عليها: "نعم, أنا سارة ولكن من تكونين؟؟!"

ثم اجتاح نوال موجة عارمة من البكاء: "قلبي أنتي, سارة يا حياااااااتي, وينك يا بعد روووحي!"
سارة بارتباكة وخوف: "تكفين قولي من أنتي والله ما عرفتك الله يعافيك ضيقتي صدري!!"

وعبدالله وزوجته راحا في بكاء مع نوال, ثم تكلمت نوال بصوت متحشرج: "أنااا أناااا نواااا نوااااال".

سارة لم تكن لتستوعب ما سمعت للتو سكتت فجأة ونوال لا تزال تبكي, ثم صرخت نواال يا بعد قلبي أنتي حية؟!, ما متي؟؟! يارب لك الحمد, ما أصدق, نوااال حياتي أنتي عائشة؟؟!" وبدأت سارة بالبكاء الشديد.

عبدالله يشاهد المشهد ويبكي الذي فهمه أنهم التقيا بعد فراااق طويل, أخذ عبدالله الهاتف وقال لسارة: "بعطيك العنوان تشرفينا الآن"
أبدت سارة موافقتها بحماس وهي لا تزال تتجرع ألم المفاجأة في بكاء مرير فمشاعر الفرح مع القهر مع الصدفة جُمعت في صدر سارة التي لم تتوقع يوماً هذا الحدث الرائع, أخذت العنوان ثم اتجهت إليه وكلها شوق لنوال بعد تلك السنوات من الفراق.


وصلت سارة للمكان المطلوب, وكلها شوق لنوال, نزلت بسرعة وطرقت الباب, فتح عبدالله الباب, دخلت سارة بسرعة وهي تنادي: "نوال نوال"

التفتت نوال وقامت إلى سارة, بعد تلك السنوات والمشهد في قمة الشوق والألم مع الفرحة والمفاجأة, سارة متجهة إلى نوال وهي تسعى, ونوال كذلك وعبدالله وزوجته يرقبان المشهد, ثم تضامتا بقوة وبدت موجات البكاء الشديد, والشوق المؤلم.

أخذت سارة تتحسس نوال وتقول: "قالوا لي أنك متي من عشر سنين, أنتي بخير يا نوال"
ونوال غير مصدقة ما تشاهده أمامها: "سارة أنا بخير, وينك فيه اشتقت لك, من زمان عنك وين أيامك؟"
سألت سارة بدون تريث: "وش جايبك لدار الأيتام, هذا راكان؟!"
وبدت تشير إلى عبدالله.

اجتاح نوال موجة من التردد من سؤال سارة ارتعدت لم تعرف سبب تلك الموجة: "لا راكان ما أدري وينه, سارة ما شفتيه ما تدرين وينه؟"
"شفته يوم كان في ثالث ابتدائي, وما شفته بعدها!!"
نوال: " وشلون شكله كبر؟, تغير؟, وش لونه وشلون صحته, عساه بخير؟"

"والله ما أدري عنه الحين, وأنا أدوره والله, الحمد لله اللي جمعني بك قبل ما أموت"

ثم بدأت سارة ونوال بحكاية طويلة جرى فيها كل تلك الأحداث التي مرت بهما, وعبدالله يستمع لتلك الحكايا, فعرف سبب الآلام التي كانت نوال تخبئها عنه, ومن حديثهما تعرف على الكثير حول راكان ومنزلته عند نوال, وبعد ذلك قرر أن يبحث عنه بطريقته الخاصة, عله أن يصل إلى نتيجة مرضية بحول الله.

وكأن نوال بعد تلك الحكاية, كانت تنتظر أحداً يشاركها تفاصيل حكايتها لتُخرج كلَّ ما في صدرها.



الفصل 21

علم فيصل أن زوجة عمه قد أصيبت بالسرطان ولم تعلم عنه إلا بعد انتشاره في جسدها, فكان فيصل يتحدث مع زوجته لمياء حول أمل ويقول: "هذا جزاء ظلمها وتجبرها!"
وكانت عائشة حولهما وتسمع هذا الكلام فقالت متداخلة: "لا يجوز أن تشمت بها يا فيصل, مهما كان فلها ما عملت وعليها ما اكتسبت, لا تسخر منها فيعافيها الله ويبتليك".

رد فيصل عليها بعد أن انتهت: "لا أريد أن أعتدي عليك بكلامي, اذهبي في عملك وهذا أمر لا يعنيك!!"

ذهبت عائشة إلى عملها وكالعادة تتلقى تلك الكلمات من فيصل.

بعد أن ابتعدت عائشة قالت لمياء: "لا تكن شديداً عليها, والله استفدت منها أشياء لم أكن أتوقعها, فهي مربية فاضلة, ليست كما تتصور يا فيصل!!"

لم يكترث فيصل لكلام لمياء, وقال: "حسناُ أين الغداء أنا جائع"

كانت عائشة تعمل في بيت فيصل ليس كالخدم, وإنما كالجدة فقد كانت لمياء تعاملها كأمها تماماً, وتكرمها وتشعرها بحبها.

حتى أن عائشة مع مرور الأيام طلبت من لمياء أن لا تأخذ راتباً مقابل عملها, وذلك كون لمياء لم تعد تجعلها تعمل في بيتها بشكل كبير وإنما أعمالاً عادية روتينية مثل طبخ الغداء وبعض الأعمال الأخرى البسيطة.

قبلت لمياء ذلك, على أن تعيش معهم الجدة عائشة العمر كله, شعرت عائشة بفتح عظيم ولذة عجيبة لم تكن تشعر بها من قبل.

كانت تجد الراحة والسعادة في ذلك البيت, وكانت تحلم دوماً البقاء فيه إلى الأبد, وهاهي لمياء تحقق لها حلمها, وتجلسها في دارها, وكأنها جدة البيت وليست مجرد عجوز غبرا!!.



الفصل 22

كان د. عبدالله يسأل عن راكان في كل مكان لم يترك مكاناً مر به أو يوماً مر عليه إلا ويسأل عن راكان كان حريصاً على أن يجده لتفرح به خالته نوال, وكان منبع حرصه تلك الحرقة التي وجدها في عيني نوال بل ويديها وشفتيها لما كانت تتحدث عنه أمام تلك الوفية سارة.

إن من أجمل لحظات الحياة حين يلتقي اثنان من أقرب الناس إلى بعضهما, كيف وإن كانت تلك العلاقة قد قطعت وانتهت بسبب تلك الدنيا التي قد تفرق ولا تجمع, لا شك أن ما حصل لسارة ونوال هو فرحة عظيمة أظلتهما, لتخفف عن نوال شيئاً مما تعانيه ولتهنأ سارة برؤية نوال بعد ذلك الغياب الطويل, لكن يبقى الشكر كله لله والحمد كله له, على ما يتفضل به علينا من نعم, ومهما ابتليت في الحياة فلا شك أن الله مطلع على كل شيء ليكافئ ويحاسب وهو العدل سبحانه, كان ذلك هو ما تؤمن به نوال وكذلك سارة حامدات لله سبحانه على كل خير أو مكروه.

في ذلك الضحى الجميل كانت سارة تحتسي شيئاً من القهوة مع نوال وهي تراجعها في شيئاً من تلك الذكريات القديمة, متذكرات تلك المواقف التي مروا فيها جميعاً, وفي أثناء ذلك إذ يأتيهم خبر وفاة أمل بعد معاناة مع السرطان استمرت قريباً من ثمانية أشهر, انتقلت بعدها للدار الآخرة, وقد كانت أفنان زوجة عبدالله قد أجابت الهاتف لتستقبل ذلك الخبر فتنثره عليهم.

قالت سارة: "شفتي يا نوال, الظلم ظلمات, ولا ماتت إلا يوم خذت حقها في الدنيا قبل الآخرة"
ردت عليها أمل عاتبة: "المرأة أفضت إلى ما قدمت لا تتكلمي عنها, والله المستعان, والله يسامح الجميع!"
نظرت سارة باستغراب إلى نوال وقالت: "بعد كل ما حصل منها تقولين لا تتحدثي عنها؟؟!"
"نعم يا سارة فالمرأة أفضت إلى ما قدمت, وليس علينا حسابها وعند الله تجتمع الخصوم"


الفصل 23

بدأ عبدالله بالبحث عن راكان يسأل في كل مكان يسعى جاهداً للوصول إليه, زار أماكن عدة وقطاعات أعمال كثيرة, وهو لا يزال متفائلاً بإيجاد راكان, حتى يتمم فرحة أمه نوال.

اتصل على استعلام الجوال, وطلب من بعض أصحابه التحري عن راكان التركي, ولكن دون جدوى.

ذهب إلى أبناء عم راكان وسألهم عن راكان غير أنهم لا يعرفون شيئاً عنه.

استغرب عبدالله هل يمكن أن يكون قد مات فقد مضى على بحثه قريبٌ من السنة, وبدأ يسيطر على همته اليأس, حتى توقع أنه لن يجده.

توجه فيصل التركي إلى المستشفى التي يعالج فيها عبدالله دون علم أحدهما بالآخر, حيث موعده في تمام الواحدة بعد الظهر, كان في عيادة الأسنان, أنهى فيصل موعده وخرج ليغادر المستشفى وهو في الطريق إذ لقي د. عبدالله بالصدفة في أحد الممرات فأوقفه فيصل وكان هذا الحوار:
"لو سمحت, ممكن خدمة؟"
"تفضل سم وش بغيت؟"
"ما أدري عن قسم التنويم التابع لمرض القلب عندي زيارة ما أعرف المكان بشكل جيد!!"
بدا عبدالله بشرح المكان لفيصل دون أن يعرف أحد منهما الآخر, وبعد ذلك شكر فيصل الدكتور عبدالله ثم انصرف إلى دربه.

لم يكن د. عبدالله مرتاحاً إذ أنه لا يزال مهموماً بموضوع راكان فلازال راكان محفوراً في صدر خالته نوال, التي تئن عليه كثيراً وتريد أن تعرف خبره وهذا أقل ما يمكن أن يكفيها.

رن هاتف د. عبدالله إنه عبدالسلام زميله في المستشفى, أجاب عبدالله على هاتفه:
"أهلاً عبدالسلام, حياك الله بشر عرفت شيء عن راكان؟"
"والله عرفت أشياء لكن ما أدري عن صحتها كلها احتمالات, والله أعلم بالحقيقة"
رد عبدالله: "ما فيه مشكلة خلنا نشوف أول وبعدين نحكم"
"جبت أرقام ناس من التركي وناس أسمائهم راكان التركي!!"
"(تستهبل أنت!), وتبيني أتصل على كل الأرقام الي معك عشان أتأكد"
"لن تخسر شيئاً, جرب لعل الله يكتب اللي فيه الخير, وفيه ثلاث أرقام هي أكثر احتمالية أن يكون منهم صاحبك!"
"جيد لعلك تشرف في بيتي الليلة إذا كنت فاضي حتى نشوف الأرقام مع بعض!"
" أممممم اليوم .. اليوووم .. أممم .. ما عندي شيء إن شاء الله يكون بعد العشاء مباشرة!"
"طيب .. طيب أنتظرك يالغالي"

وصل عبدالسلام إلى منزل عبدالله وبعد أن تناولا فنجاناً من القهوة, أحضر عبدالله هاتف المنزل حتى يبدأ بالاتصال.

أخذ عبدالله يدير الأرقام على صاحب الرقم الأول:
"السلام عليكم هذا منزل راكان ناصر إبراهيم التركي؟"
"لا, بل هو منزل راكان ناصر محمد"
"شكراً لك ومعذرة على الإزعاج!"

بدأ عبدالله يدير الرقم الآخر ليسأل:
"مرحباً, منزل راكان ناصر إبراهيم التركي؟"


الفصل 24

كانت عائشة تعيش أحلى أيام حياتي فهي تشعر أنها في بيتها بعد أن أصبحت تعيش معهم بلا حساب, فتدخل وتخرج من المنزل كأنها من أصحابه, غير أن ذلك لم يرضي فيصل إطلاقاً.

ذهب فيصل إلى لمياء وأخبرها بما يجول في خاطره عن عائشة وكم يتأذى من رؤيتها داخل البيت, ويتمنى أن ترحل عنهم.

لم تكن لمياء تتوقع هذا الشعور في صدر زوجها, وأصبحت قلقة بشأن عائشة أيما قلق, وكان من غير المناسب أن تقول لها اذهبي إلى الملحق ولا تخرجي منه!!, لأن المرأة كبيرة, ولم تفعل أمراً تعاب عليه.

كانت عائشة تتمنى أن تعرف عائلة فيصل أكثر ولكنا تشعر أن هذا لا يعنيها, خصوصاً أن فيصل يكره لقياها.

مضت الأيام وكانت عائشة تزيد من هم فيصل ولا يطيق رؤيتها, ولم يكن في وسعه إلا أن ذهب إلى عائشة, وبكل جفاء قال لها:
"أعتذر إليك ولكن لن نكون بخير إن جلست في بيتنا, لا أريد (عجائز) في بيتي!!"

أذهلت الصدمة تفكير عائشة التي لم تتوقع أن يحدث هذا يوماً, لم يكن بوسعها إلا أن تبكي وتحترق, فهي عجوز ضعيفة شريدة لا مأوى لها ولا مسكن, إلى أين سترحل, ومن ستسامر, ومن يرحم ضعفها وشيبتها, لم تعد عائشة قادرة على العمل فطول العمر أنهكها وأتعب رجليها إنها على مشارف الستين, وقد عاشت مع فيصل مدة لا بأس بها.

لما عرفت لمياء الخبر, ذهبت إلى عائشة مسرعة غير أنها لم تجدها في غرفتها ولم تجد حقيبة ملابسها كما اختفت بعض أغراضها.

ذرفت عينا لمياء ولم تتصور أن يستعجل فيصل بحكم كهذا على تلك المسنة, خرجت مع سائقها تبحث عن عائشة علها تجدها, ولكن دون جدوى فلا تعرف أين ذهبت عائشة ولا إلى أي مكانٍ رحلت.

عادت لمياء إلى منزلها ودمعتها تسابقها, ستفقد تلك المرأة الحنونة التي كانت مقام أمها مأنسها وحنانها.

حتى أبناء لمياء فقدوا الجدة عائشة التي كانت تعاملهم وكأنهم أحفادها ( رهف, خالد, العنود)

كم كانت تلك الليالي جميلة ناعمة, حين تذهب لمياء إلى حضن عائشة وتشكي لها همها وحزنها, وعائشة تستقبلها بعينيها وقلبها, وكل جوارحها.

ولكن اليوم يوم فراقها, فلم تستطع لمياء أن تجدها وكانت تدعو الله أن تعود إليهم قريباً.



الفصل 25

"مرحباً, منزل راكان ناصر إبراهيم التركي؟!"
كان الاسم كالصاعقة على لمياء وقالت مجاوبة: "لا, ليس هو من أردتم!"
"نحن نبحث عن راكان التركي, منذ زمن, عموماً شكراً لكِ"
لم تتمالك لمياء نفسها وقالت بسرعة: "أعرف من تبحثون عنه, ولكن من أنتم؟!"
لم يصدق عبدالله ما سمعه للتو وأجاب قائلاً: "نحن نبحث عنه لنجمعه مع خالته نوال إن كنتِ تعرفينه فأرجوك أخبرينا عنه حتى نصل إليه!!"
لم تصدق لمياء الخبر وحلق بها الفرح أيما تحليق, حاولت أن تتكلم ولم تستطع فقد عُقد لسانها من شدة الفرحة, حاولت الكلام ولم تستطع, وإذا بفيصل يمر من أمامها وهي على هذه الحالة, فبدت لمياء تشير إليه بسماعة الهاتف بحماسة شديدة.

قدم فيصل إلى لمياء وأخذ منها السماعة:
"نعم, فيصل التركي معك من معي؟"
"أهلاً بك أستاذ فيصل, نحن نبحث عن راكان ناصر التركي, هناك أمر مهم لابد أن نخبره به!"
تفاجأ فيصل مما سمع للتو وإذا بلمياء بالكاد صارت تتكلم وهي تهمس "نوال نوال", لم يفهم فيصل من كلامها شيئاً غير أن الأمر شده عندما ذكر اسمه القديم.
فقال فيصل: "ما الأمر يمكنني أن أوصل الرسالة له وأنا في خدمتك!"
أجابه عبدالله: "نريده لأمر خاص به وقد خاطبنا السيدة قبل قليل بذلك إنه أمر يتعلق بخالته نوال"
لم يصدق فيصل ما سمعه للتو, نزلت عليه موجة مركبة بين الفرح والصدمة, ثم قال بصوت متحشرج متقطع متردد: "أنا من تبحث عنه, أنا راكان التركي"
ذهل عبدالله مما سمعه وبدا عليه الفرح الشديد ورد بحماسة: "خالتك (عندنا في البيت ما تبي تشوفها؟)"
لم يصدق فيصل ذلك الخبر السريع, وأجاب بسرعة أكبر: "(إلا أبي أشوفها تكفى الحين أجيك!)"
رد عليه عبدالله سوف: "آتيك أنا وخالتك نوال لكن أين مكان منزلكم؟"
لم يصدق فيصل ما سمعه من المتصل وأخذ يحاكي نفسه من يكون المتصل وكيف سيحضرها أهو ابنها أم ماذا؟
قطع المتصل حبل أفكار فيصل بإعادة السؤال, فلما تنبه له فيصل بدا في توصيف المنزل لعبدالله, ثم أغلق الهاتف بعد ذلك, وقامت لمياء في ترتيب المنزل للضيوف وتجهيز ما يلزم للضيافة.



الفصل 26

تتجرع المر, وتشكي الألم, وتخنقها الحياة, عائشة التي خرجت من ذلك الجو الأسري الدافئ إلى ( لا شيء ), أصبحت تهيم على وجهها لا تعرف حقيقة وجهتها, كانت تخنق عبرتها, وتكابد حرارة صدرها, إنها تشعر بألم حاد وضيق متعب, اتجهت لصديقتها القديمة تلك التي كانت تعمل في جامعة لمياء, لم تكن الجامعة بعيدة, إضافةً إلى أنها استأجرت أجرة أخذتها للجامعة, دخلت عائشة واتجهت لمكان إقامة صديقتها القديمة, طرقت الباب وانتظرت, ولم يجب أحدهم على الطرق, طرقت أخرى حتى سمعت خرفشات بالداخل قريبٌ من الباب, ثم فتح الباب بعدها.
"نعم, من تريدين؟"
"أنا عائشة, منيرة موجودة؟"
أجابها الصبي: "لا ما عندنا منيرة من تقصدين؟"
"اللي ساكنه هنا!"
"ايه قصدك ساكنة من زمان الله يرحمها توفيت قبل شهرين, وسكنا مكانها مع أهلي!"
تساقطت تلك الكلمات على عائشة كالحجارة العظيمة لفت قلبها ثم عصرته بقوة حتى نفد من كل قطرات الدم, شهقت عائشة غير مصدقة لما سمعت, حتى أنها لم تكن تعرف ماذا تفعل ولم يدر في خاطرها إلا أنها وحيدة فقدت كل شيء حولها!.

دخل الصبي وأغلق الباب من خلفه, وجلست عائشة في ذهول صامت, بدت تموجات صارخة تجتاح صدر عائشة لا تعرف حقيقة شعورها بل أنه خليط من مشاعر كثيرة ( فقد , وحدة , ضياع , فقر ) وغيرها مما لا يتبين لحظة المصيبة.

شعرت عائشة بالتوهان ولم تستطع أن تتخذ قراراً واحداً, فالليل حالك والشوارع شبه فارغة من جموع السيارات, وكأن غيمة أظلة ذلك العقل لتدخله في سبات عميق لم تصح منه إلى عند الصباح وهي تتكئ على شجرة في أحد الشوارع.

قامت على ضجيج المحركات وأصوات السيارات, لم تتيقن التوقيت بدقة بل خمنت بأنها السابعة تزيد أو تنقص قليلاً.

تذكرت عائشة كل ما حدث لها البارحة, ورجع ألمها يأخذ من جسدها وينهكها قدر شعورها به, لم تكن تفكر عائشة في غير دار العجزة لكنها لا تعرف مكانها, ولم تجد من يأخذها إليها من سيارات الأجرة المنتشرة.



الفصل 27

سعاد أحاطت بها الأقدار من كل مكان وهتكت جدرانها تلك السهام النافذة التي تستقر في ظهرها فتخلف الجروح والآلام, حاولت القدوم إلى السعودية مرات كثيرة لكن دون جدوى, أعملت أكثر من طريقة وأكثر من تجربة, غير أنها لا تجد بعد ذلك ناتجاً يرد الروح لذلك الجسد المثخن المتألم.

قررت سعاد كحل نهائي أن تقدم على مكتب العمل كخادمة تريد عملاً في السعودية فقبلت على ذلك الأساس, وبموجبه جاءت فيزتها كخادمة, لتدخل السعادة قلبها وتعمر قسماتها ولتعود الروح لجسمها فيعود فيه نشاطه وتعود فيه نبضاته.

إنها الآن في السعودية, تعمل في أحد القصور, حاولت رغم خجلها أن تسأل عن ابنها وأسرتها, لكنها لم تتجرأ فتصرح بما لديها, وكان خوفها كذلك يمنع من رغبتها الملحة في السؤال.

صارت تسأل كثيراً عن ابنها, وأسرة "التركي", لم تميز سعاد بين الدمام والرياض إلا بعد أن أمعنت التركيز في ذلك, فأصيبت بإحباط شديد, وكيف لها أن تجد أسرتها في هذا المكان وهم في مكان مختلف تماماً.

لم يكن أمام سعاد إلا أن تنتقل إلى الرياض!, ولكن السؤال المهم كيف تنتقل؟

كانت تكابد همها ولم تتخيل أي حل من الممكن أن يخرجها من تلك الورطة, فهي مكفولة, كما أن جنسيتها لم تعد في يدها فهي الآن بمقام الوافدة, ولا عبرة بأصلها الضائع!.

كان الحزن يغشى قلبها, وما زاد من حزنها أن أهلها فيما يعلمون عنها أنها قد ماتت فكيف ستخرج لهم بعد تلك السنوات التي مرت بها, وكيف سيكون وقع الخبر عليهم؟
كانت تلك الأفكار تطارد سعاد وتحزنها كثيراً, أمنيتها الوحيدة أن تلقي نفسها بين أحضانهم وتبكي قدر ما أحست من الألم.

لم يتبادر لسعاد غير حل واحد وهو أن تهرب للرياض, وتلقي بتلك الجنسية التي أرغمت عليها عرض الحائط فسعاد تصرخ في داخل نفسها ( لست مصرية! لست مصرية! )

جمعت ما جمعت من المال حتى يوصلها إلى الرياض لتشكي همها عند من تجده في طريقها هناك, وفعلاً اتخذت سعاد ذلك القرار على محمل الجد, وبدأت بتنفيذه.



الفصل 28

طرق باب فيصل, تحرك قلبه وذاب كمداً وحسرة على الماضي الذي أبعده عن خالته لم يكن يعلم بوجودها في مقتبل عمره حتى كانت سارة عند باب منزل عمه, ومن يومها كان يتمنى رؤيتها إنها أخت أمه التي فقدها وهي قطعة منها إنهما ( بناتُ بطنٍ واحد! )

انطلقت لمياء لتفتح باب المنزل مسرعة لم تكن تتخيل أن يكون اللقاء بهذه السرعة,
فتحت الباب وانتظرت الزوار حتى يدخلوا, كانت تسمع صوت بكاء من وراء الباب, دخلت امرأة ثم تبعتها الأخرى, لم تكن نوال لتميز من هي نوال من بينهم, تبعهم عبدالله وزوجته, وكانت لمياء على علم بذلك, إذ كانت ترتدي غطاءها المعتاد, دخل الجميع وأغلقت لمياء الباب.

لمياء: "أهلاً بكم أنا لمياء زوجة فيصل, كشفت نوال عن وجهها وأخذت تنظر إلى لمياء وعيناها غارقتان بالدمع, تقدمت إليها وضمتها وهي تبكي, فبادلتها لمياء نفس الشعور, أخذت تنظر إليها وتقول: "راكان عرف يختار, الله يسعدك وياه وين ما كنتوا".

قامت سارة بسحب نوال وهي تقول: "نوال راكان ينتظرنا يالله ندخل!"

كانت متلهفة لتراه, دخلت نوال مع سارة إلى داخل المنزل ولحقهما الجميع وكان في وسط الصالة يجلس فيصل, قام من مكانه لحظة دخولهم, فتقابل الجميع عند الباب, خارت قوى الخالة نوال فلم تستطع أن تتحمل المشهد, تقدم نحوها فيصل مسرعاً: "خالتي نوال!"
سمعت نوال تلك الكلمة لأول مرة في حياتها ( خالتي نوال ), لم تصدق أذنيها رفعت رأسها بتثاقل لترى فيصل, وهي في أوج حزنها ودموعها تجري على خديها, تحسست راكان ونظرت إليه بحنان فائض, كان راكان ينجذب إليها بقوة وكأنه رآها من قبل لم يستغرب وجهها أبداً بل إنها بدت مألوفة, وكان في غاية السعادة, لم يتصور أن يراها في حياته, كان الموقف محزن للغاية كما أنه مفرحٌ أيضاً وكما يقولون (اجتمعت مشاعر الفرح مع القهر والغبن من الذي كان السبب في بعدهما عن بعضهما) جلس الجميع في الصالة ولمياء تقدم الشاي والقهوة هي وزوجها فيصل, وكانت تلك الليلة من أحلى ليالي فيصل ونوال, طالت الجلسة حتى منتصف الليل, ثم قامت نوال لتذهب لبيتها بعد تلك الجلسة الجميلة, وأخذت عهداً على فيصل أن يزورها كل يوم بعد صلاة المغرب ولن تقبل عذره إن تخلف إلا عند الحاجة فقط, والحاجة الملحة.

وافق فيصل على طلب خالته نوال وكله فرح وسرور, وأكد أنه لن يبتعد عنها بعد ذلك اليوم.

كانت صورة نوال تتكرر في رأس فيصل ولم يستطع النوم لما يجول في خاطر فيصل, ولكنه لم يصدق ما يدور في رأسه واعتبرها مجموعة أفكار لا تمت لواقعه بصلة, فقدْ فقدَ خالته منذ صغره فكيف يتذكرها!!.



الفصل 29

طرق باب منزل فيصل في ذلك الصباح الباكر, فتح الباب واحد من الخدم كانت المرأة تريد رؤية لمياء, أبلغ البواب لمياء عن طريق السنترال بالاتصال على غرفتها.

استغربت لمياء من تكون تلك المرأة التي تريدها صباح يوم الخميس, قالت للبواب:
"أدخلها سأكون جاهزةً بعد قليل أخبرها أني سأتأخر قليلاً!".
"حسناً سيدتي, الآن!"

دخلت عائشة إلى منزل لمياء ودموعها تسبق خطواتها وهي خائفة مضطربة, لا تتوقع ما يمكن أن يواجهها في الداخل, بينما لمياء تنزل من الدرج وإذا بها ترى عائشة تجلس في الصالة, لم تتمالك لمياء نفسها وبدت ببكاء يعبر عن فرحها بعودة عائشة نزلت بسرعة واتجهت إلى عائشة غير مصدقة, قامت عائشة وهي تبكي ولا تعرف سر فرحة لمياء بعودتها, غير أنها فرحت لذلك فرحاً عظيماً, وقامت للمياء بعناق حنون عميق, أحست لمياء برجفة في يدي عائشة وصدرها وكأنها تعبة من شيء ما, أو أنها تشعر بالخوف من شيء آخر, أجلستها بجانبها, وبدت موجة من أسئلة لمياء لعائشة, وهي غاضبة من رحيل عائشة المفاجئ والذي لم يكن بعلم لمياء! بل كان قرار عائشة الشخصي.

أفصحت عائشة أنها لم ترحل إلا عندما شعرت أن قرار فيصل بخروجها كان قراراً جماعياً كما أنها افترضت أن لمياء لم تقابلها تلك الليلة لأجل هذا القرار, فرحلت بناءً على ما رسمته في رأسها حول قرار فيصل, ردت عليها لمياء بعبارات حنونة تستجدي سماح عائشة وكانت تعتذر من عائشة بين كل كلمة والأخرى حتى أسكتتها عائشة وقالت لها: "لمياء ليس لك علاقة بالأمر فلما كل هذا الاعتذار؟".

كانت تلك الجلسة تتسم بالجمال كما أنها مفعمة بالحب والمودة, غير أن عائشة لم تكن مرتاحة تماماً, لما يدور في خلدها, لم تستطع عائشة حتى أخبرت لمياء بما حصل لها منذ خروجها من يومين حتى جلست في مكانها هذا, وقالت بصوت منخفض: "لمياء مالي غيركم, أو ودوني دار العجزة والله ما لقيته وما وجدت أحد يقدر يوصلني هناك!"

ردت لمياء والغضب يملأ عينيها: "إذا فيصل ما يبي جلوسك في البيت فأنا أبي جلوسك فيه, البيت بيتي مثل ما هو بيته, لكن عشان ما يزعل مني وأكيد يا خالتي أنتي تقدرين الموقف فيه غرف في القبو ما ينزل لها أحد!, وش رايك تنزلين فيها, وفيصل ما يدري عن القبو ولا سبق دخله إلا أول ما نزلنا البيت!"

أبدت عائشة موافقتها غير أنها اشترطت على لمياء أن لا تكثر الجلوس معها مهما كان حتى لا يشعر فيصل بوجودها.

وافقت لمياء على ذلك, وفرَّغت واحدةً من خدمها لتخدم عائشة في الدور السفلي, نزلت عائشة لترى مكانها الجديد, غرفتين مع صالة بينهما ودورتي مياه ومطبخ صغير وكان مما أعجب عائشة أن الدور يحتوي على باب يخرج لساحة المنزل الخارجية مباشرة.

نزلت عائشة إلى مسكنها الجديد, حامدة شاكرة, حيث كانت لمياء في غاية الفرح والسرور, بعد أن عادت عائشة ورجعت لمكانها الأول.

مضت الأيام والشهور وعائشة لا تزال تسكن في الدور السفلي ولم يكن فيصل يعلم ذلك, ولمياء تزورها كلما تأكدت أن زوجها بعيد عن العودة, وكانت تقول دائما لحارس المنزل إذا وصل فيصل أبلغني فوراً, حتى تتفادى غضبه إن علم بوجود عائشة في بيته دون علمه, كما تتفادى طرده لها لا سمح الله!.

حتى جاء ذلك اليوم الذي سقطت فيه عائشة مغماً عليها فهرعت الخادمة إلى لمياء لتخبرها الخبر, فزعت لمياء وأمرت السائق أن يتحرك, أخذت لمياء عائشة إلى مستشفى الحمَّادي, وباشر قسم الطوارئ الحالة, حتى أدخلت العناية المركزة بعد أن فتح لها ملف في المستشفى, ولمياء قلقة جداً على عائشة, كانت فزعة مرتبكة لم تفارق الدمعة عينيها كما أنها لم تفارق الدعاء فهي تلهج به طوال الوقت لعل الله أن يلطف بعائشة ويخرجها سالمة غانمة, كانت مسؤولية لمياء كبيرة فكما تعلم أنه ليس لهذه المسنة أحد غيرها, لذا كانت تحرص عليها حرصاً شديداً.

أبلغها الطبيب المشرف على حالة عائشة أنها لابد أن تنوم في المستشفى فحالتها حرجة وهي في غيبوبة قد تتأخر في الإفاقة منها, سألت لمياء إن كان بمقدورها الجلوس عندها إلا أنه طمأنها على عائشة وذكر لها أن العناية المركزة لا يسمح فيها بالمرافقة وبمقدورها أن تذهب لبيتها وتعود في اليوم التالي حتى تطمئن عليها.

راحت الأيام وعائشة لا تزال على حالها ولا تزال الأجهزة تعمل فوقها, ولا تزال لمياء تزورها بين الفينة والأخرى لتطمئن عليها.



الفصل 30

وفي ضل تلك الأيام كان التواصل بين فيصل وخالته نوال مستمراً إذ لم ينقطع أكثر من أسبوع مابين زيارة أو اتصال, بل أن زياراتهم كثرت وأصبح فيصل يعاملها وكأنها أمه التي فقدها منذ أن كان طفلاً صغيراً, أبدلته عن سنوات الألم بحنانها وحبها وأشعرته بالأمان وأبعدت عنه الوحدة.

كانت علاقة نوال بلمياء رائعة جداً, ولم تكن تقصر في وصلها إطلاقاً, كذلك سارة تلك الوفية التي كانت خير صاحبة لنوال والتي كانت بمثابة نوال عند لمياء وفيصل في القدر والمكانة والحب.

أرادت لمياء زيارة عائشة في المستشفى إلا أن سفرها مع زوجها منعها من ذلك, وكانت تخشى أن يعرف زوجها بتواصلها مع عائشة, ولم يهن عليها أن تترك عائشة لوحدها دون من يزورها ويطمئن عليها.

"خالتي سارة!"
"أهلاً لمياء كيف حالك؟"
"أبشرك الحمد لله, خالتي ودي أشوفك الليلة إذا ما عندك شيء!"
"ما يخالف ما عندي شيء بإذن الله, تعالي عندي في بيتي"
"طيب, بعد المغرب بكون عندك الله يعافيك يا خالة"

بعد المغرب:

"خالتي بقولك عن موضوع, لكن أتمنى ما يطلع حتى أتفادى المشاكل"
"أبشري ما أقول سرك لأحد, تفضلي قولي"

بدأت لمياء بسرد قصة عائشة وطلبت من سارة زيارتها في المستشفى نيابة عنها حتى تطمئن عليها, وطلبت من سارة أن لا يعلم أحد بشأن عائشة وأبلغتها أنها متكفلة بكل مصاريف العلاج الخاصة بها.

طمأنتها وأخبرتها بأن الموضوع سيكون بينهما سراً لن يخرج لأي أحداً كائناً من كان!.

رحلت لمياء مع زوجها لسفرهما, وبقيت عائشة في المستشفى, لا يزورها إلا سارة, كانت سارة تذهب للمستشفى لتسأل عنها بشكل دوري غير أنها لم تدخل عليها لصعوبة الحالة, حتى جاء السماح لسارة بالدخول على عائشة, دخلت سارة لتتعرف على عائشة أكثر.

كانت الأجهزة تغطي جسد عائشة بالكامل إلا قليلاً من أجزائه, لم تترك سارة لحظة تمر بها إلا وهي تلهج بالدعاء لتلك العائشة المسكينة.

ظلت سارة تقلب ناظريها بعائشة, ويعلو قسمات وجهها الإحساس بألم تلك المرأة, وما كان يزيد من ألم سارة هو ما تعرفه عن عائشة من فقرٍ وبعد ووضعٍ اجتماعيٍ صعب!.

قفلت سارة عائدة إلى بيتها, لتزورها من يوم الغد وقد خفت بعض الأجهزة عن عائشة كما بدا لسارة, وبدت تتضح معالمها وتقاسيم وجهها المشرق.

بدت فكرة مجنونة في رأس سارة أخذت تحوم وتحوم حتى شعرت سارة بالألم فجأة لما اقتربت من عائشة, لمحت ملمحاً غريباً ساقها إلى سنواتٍ طويلة ماضية, ( كانت تقول في نفسها أبداً غير معقول, إنها بالفعل فكرة مجنونة!! )

تقدمت سارة بسرعة الريح نحو عائشة لتتفحص وجهها بعناية ( أصيبت بالذهول وبدت تتصلب عضلاتها عن الحركة, بدا يدور في رأسها: ( لا, لا يمكن, غير معقوووول ) تلفظت سارة بتلك الكلمة ثم سقطت مغشياً عليها: "إنها سعاد!!"



الفصل 31

علمت نوال بما حصل لسارة فأسرعت إليها في المستشفى, حتى وصلت إلى مكانها, ودخلت عليها مفزوعة مرعبة, وفي رأسها مجموعة لا حصر لها من الأسئلة, وفور أن دخلت نوال على سارة ووجدتها أمامها على السرير بدأت موجة الأسئلة التي أطلقتها نوال: من قبيل:
( وش صار لك؟, وكيف وصلتي هنا؟, ومتى صار الموضوع بالضبط؟ وغيرها من الأسئلة... )
وكانت سارة صامتة تنتظر نوال حتى تفرغ من كلامها, لاحظت نوال سكوت سارة, فقالت لها: "عسى ماشر ما تقدرين تتكلمين!"
تنهدت سارة ثم قالت: "نوال, ممكن تركزين معي بالموضوع, وأتمنى ما تقاطعيني لين أنتهي!"
"تفضلي أنا أسمعك!"
"نوال, راحت أيام وأيام وأنتي تشعرين بالألم, وما فارق الحزن حياتك, فقدتي أختك ثم فقدتي ولدها, وفقدنا بعض أنا وياك, وبعد هالسنوات كتب الله سبحانه أننا نلتقي أنا وياك والحمد لله ربي مد في أعمارنا وقابلنا فيصل وجلسنا وياه ورد ربي روحك لك بعد كل ذيك المدة, لكن ما ودك ولا تتمنين أنك تشوفين سعاد بعد كل هالسنوات؟"

امتلأت عيون نوال بالدموع وأجابت سارة: "الحمد لله على كل شيء, وما أصدق أننا ألتقينا بعد كل هالمدة, أما سعاد الله يغفر لها:-"
قاطعتها سارة: "ما ودك تقولين الله يحفظها؟"
"سارة لا تقطعين قلبي أكيد ودي لكن الشيء مو باليد, ولا تطوله الحيلة!"
"تكفين قولي الله يحفظها, لأني أحس أنفاسها قريبة حولينا" وكانت سارة تصارع موجات من البكاء في داخلها.

"سارة وش فيك؟ , ومن وين جاك الحنين, تراها أيام وراحت وربي بيعوضنا خير يا سارة, والحمد لله على كل شيء"

ردت عليها سارة وقد انفجرت بالبكاء فجأة, ولم تعرف نوال سر ذلك البكاء غير أن قلبها بدأ بالخفقان بشكل غير اعتيادي, وبدت سارة تسرد معانات سعاد دون أن تخبرها عن الحقيقة: "نوال تدرين أن سعاد مظلومة, تجرعت الهم والحزن والألم, نيران الحياة تشتعل في داخل حشاها, سعاد اللي فدناها وفقدتنا, تلونت بها الحياة وأذاقتها الأمرين" تنهدت سارة وهي تبكي بحرارة, ونوال تراقب المشهد غير مدركة لما يحدث أمامها, ثم بدأت سارة ببكاء محرق ملهب, فلا تعرف كيف تلقي الحقيقة على نوال, ولا تعرف ماذا يحدث لسعاد الآن, كما أن ما جرى لسعاد من أبنها فيصل أحرق قلبها حيث أن كليهما لم يعلم عن الآخر, دخلت لمياء على سارة وهي تبكي, وكانت قد جاءت مسرعة بعد أن علمت أن سارة تنام في المستشفى, فبعد وصولها مباشرة انطلقت للمستشفى, وعندما توسطت لمياء الغرفة فإذا بسارة تقول بصوت متكسر يشوبه الألم والحرقة بشكل بدا واضحا على ذلك الصوت المليء بالأوجاع, ونوال تحتضنها: "نوال, سعاد حية, نوال سعاد حية ألا هل بلغت اللهم فاشهد!" وهي تبكي بكاء المرارة ..

أصيبت نوال بذهول عجيب كما أن لمياء لم تصدق ما سمعته للتو, كانت تلك الكلمات كالسهام تخرق مسمعهما, ترن في أذنيهما كأنهما لم يسمعا غير تلك الكلمات في حياتهما, نظرت نوال إلى سارة وقد اغرورقت عيناها بالدموع: "سارة وش قاعدة تقولين, سعاد .. سعاد حية؟!!"

ولمياء بدت غير مصدقة لما سمعت وخرجت من الغرفة والذهول يظل تفكيرها غير متصورة ما يحدث أمامها.

شعرت نوال أنها في حلم عميق, لم تستطع أن تدرك تلك الحقيقة ..

نهضت سارة من فراشها, وأمسكت بيد نوال واقتادتها لمكان سعاد, ولمياء تتبعهما ببطء غير متخيلة ما يحدث أمام عينيها, وصلوا إلى العناية المركزة, لم تكن نوال تدرك إلى أين يسيرون, فأسرت سارة بشحوب صوتها إلى نوال: "الحين بتشوفين أخيتك سعاد!"
بدت تشرئب أعناقهم تتطاول لترى أين سعاد بين أولائك المرضى؟

حتى وصلت سارة إلى سرير عائشة ولمياء ترقب الوضع وكانت قلقة من أن تعرف نوال عن عائشة شيئاً ولكنها ذهلت عندما توقفت سارة فجأة عند سرير عائشة, وبدت تبكي من جديد وكانت لمياء تشاهد المنظر غير مدركة لما يدور حولها, بدت نوال تسير ببطء نحو سعاد حتى اقتربت منها ورأت ملامحها فانكبت عليها بالبكاء.

وعندما أدركت لمياء الخبر لم تصدق تلك الحقيقة المرة, كيف أن سعاد كانت عائشة, تختبئ في بيتها عن فيصل وهي أمه!!

صدمت لمياء ولم تستطع الكلام وأصيبت برعشة عمَّت جميع أطرافها.

تداركت الممرضات الموقف وأبعدن نوال عن سعاد وهي تصرخ بها: "أختي أختي!" وسط ذهول من حولها!.

كان الموقف عصيباً لا يحتمل ولا يطاق, والفرحة كانت عارمة لا توصف, فقد لم الله الشمل كله بعد أن افترق, لم يبقى غير فيصل الذي لم يعلم بأي حقيقة حتى الآن.

سعاد هي الآن بين الحياة والموت, ولم تتعرف على ولدها ولم يتعرف هو عليها!.



الفصل الأخير

لم تنم لمياء تلك الليلة وكانت نوال وسارة في بيتها حتى يصبِّحون فيصل بالخبر.

طيلة تلك الأيام التي قضتها سعاد عند فيصل لم تسألهم يوماً عن عائلتهم أو إلى من ينتسبون بل كانت تعمل دون أن تسألهم تلك الأسئلة, فلم تكن تتخيل أنها في مكانها الصحيح بل لم يطرأ ذلك على بالها أبداً.

لما استيقظ فيصل لصلاة الفجر لم يجد لمياء إلى جواره فاستنكر غير أنه لم يكترث كثيراً, توضأ واستعد للنزول وإذا به يسمع أصواتها بالأسفل وكأنه يسمع بكاء أحدهم إلا أنه لا يعرف حقيقة تلك الأصوات, ولما نزل إلى الأسفل وإذا به يفاجأ بخالته نوال وسارة, ولمياء معهما ولما رأته لمياء انفجرت بالبكاء.

لم يصدق فيصل ما يراه أمام ناظريه وسأل مستفسراً: "ما الأمر؟ وما الخطب؟ وماذا حصل؟ ولماذا أنتم هنا؟ وما الذي يبكيكم؟"

لم يجد أي جواب منهم غير البكاء, حتى صرخت في وجهه لمياء: "عائشة في المستشفى في العناية المركزة!!"

كأن فيصل استاء مما سمعه ثم قال مستفسراً: "عساها بخير الحين؟"

ردت عليه لمياء: "هذا اللي قدرت تقوله؟"

ونوال تستنكر فضاضة لمياء في حديثها مع فيصل, لكونها لا تعلم عن عائشة هذه شيئاً, قالت نوال: "لمياء, هذا اللي نوصله لفيصل أو خبر أمه!"

نظر فيصل إلى خالته نوال وقال: "خالتي وش الموضوع, وأمي وش فيها؟"

ردت سارة بتلك النبرة المنكسرة المتألمه: "عائشة هي أمك يا فيصل, عائشة هي أمك يا فيصل!!"

بدت تلك الكلمات تتردد على مسمع فيصل اخترقت أذنه لتبلق أعماق جسته, فتبث فيه الحياة من جديد, بدا فيصل غير مصدق لما يسمعه كانت صدمة أليمة لم يستوعبها, فنظر إلى لمياء يستجدي منها تفسيراً معيناً, وإذا بلمياء تهز رأسها موافقة لما قالته سارة لتوها, لم يكن فيصل قادراً على التخيل.

وكانت نوال مصدومة من كون فيصل قد قابل أمه, ولم تكن حينها تعرف قصة عائشة تلك, وكيف ظهرت لهم سعاد باسم عائشة.

لم يصبر فيصل حتى أصر على أن يذهب إلى المستشفى, فذكرته نوال بأن وقت الزيارة ليس الآن, وأن الوقت فيه متسع.

بدا فيصل يسأل لمياء عن سعاد وكيف هي حالها؟ وكيف علموا بها؟ وكيف؟ وكيف؟ أسئلة كثيرة تدور في رأس فيصل, أجابت لمياء عليها كلها ونوال تستمع إلى حديثهما غير مصدقة أن سعاد كانت هنا تعملُ براتبٍ شهري!!.

زفرة قهر..!!

أفصحت لمياء أن سعاد كانت تختبئ في الدور السفلي تأكل وتعيش في بيتهما دون أن تخبر فيصل, كان فيصل يذرف دموعه ندماً على كل لحظة مرت ولكن بعد ماذا؟, شعر بالأسى والقهر, إنها بلا شك زفرات القهر التي أوجعت صدره وأثقلك كاهله, جعل من تلك الشحنات القديمة وقوداً في تعامله مع أمه سعاد التي كانت تظهر لهم بأنها عائشة, نعم إنه اسمها الرسمي في جوازها المصري, كان فيصل يشعر بلهب يشتعل في داخله مقابل ما فعله لأمه الغالية, وشعر بالقهر أكثر حينما ظلمها على أنها غريبة, كيف وقد أصبحت تلك الغريبة أمه؟!!

زفرة قهر..!!

ولكن ما كان يخفف حدة ذلك الألم هو أنها كانت في بيته قبل دخولها للمستشفى, لم يستطع أن يكتم مشاعره تجاه لمياء التفت إليها وقال بصوت حنون: "أحبك يا وفيه أحسنت إليها وأنت لا تعرفينها وقد أصبحت أمي فسبحان مقدر الأقدار!!"

انتظر فيصل حتى جاء وقت الزيارة ليذهب الجميع إلى المستشفى هناك حيث تنام سعاد, وليتبين من سر تلك التسمية: [ عائشة ].

وصل الجميع إلى المستشفى وصل فيصل إلى غرفة سعاد ودخل ليراها حتى اطمأن عليها, رغم أن حالتها حرجة, لكنهم لم يتركوها من دعائهم أبداً.

وبعد عدة أيام أفاقت سعاد ليصل الخبر إلى الجميع فاجتمعوا وانطلقوا إليها.

لما وصلوا أخذوا رقم غرفتها الجديدة, وانطلق الجميع متلهفين إلى غرفة سعاد, لما وصل الجميع قال فيصل "لتدخل لمياء فقط فأمي لا تعرف غيرها الآن!".

وافقه الجميع, ودخلت لمياء الغرفة وهي تبكي بكاءً شديداً, لم تصدق سعاد (عائشة) أن لمياء لا زالت تزورها حتى الآن, سرت لذلك كثيراً وما لبثت حتى دخل فيصل من بعدها وأرادت أن تحتجب عنه غير أنه تكلم قبل ذلك: ( لا, لا تتغطين يا يمة الحمد لله أني شفتك وسريت خاطري فيك, يمي سعاد!!).

ذهلت سعاد من معرفته اسمها الحقيقي, ولم تتخيل ما الذي يدور من حولها, بدا فيصل يقبل يديها وسط استنكارها, فقال وهو يبكي: "أنا راكان يمه أنا راكان!!"

لما سمعت نوال ذلك دخلت هي وسارة غرفة سعاد وصوت النحيب قد ملأ الأرجاء, فلما نظرت سعاد ناحية الباب, ورأت نوال وسارة لم تستطيع إدراك ما يحدث من حولها, وشعرت أنها في حلم كبير, ولم تصدق أنها في حقيقة, لدرجة أنها شكت في عقلها وتفكيرها كيف أصبح أهلها كلهم من حولها بلحظة واحدة؟!

لما بدأت سعاد تستشعر أنها في حقيقة, بدت تبكي بكاء الفرحة والتي لم تستطع تصديق ما تراه عينيها, وإذا بنوال ترتمي عليها وتحضنها بحنانها وأشواقها, وإذا بموجات الحب والمودة تتبادلان بينهما, إنها أختها التي افتقدتها من زمن بعيد, كانت سعاد عند أهلها في عداد الأموات اليوم هي أمامهم حيةٌ ترزق, ولما تنحت نوال جانباً, أخذت سعاد تنظر إلى فيصل غير مصدقة أنه ابنها وتطيل النظر فيه والدموع تداعب عينيها المرهقتين من تباريح الألم, نسيت كل تلك المعاملة السيئة بل ونسيت موقفه معها حين أخرجها من بيته, نسيت كل لحظات الألم التي مرت بها, نسيت كل أوجاعها التي أتعبتها, ولم تتذكر إلا حين احتضنتها لمياء في بيتهما, ورفعت يديها نحو فيصل الذي سقط باكياً بين يديها.

عاودت نوبة القلب لتصيب سعاد فيضيق نفسها ويتلون وجهها وتغير حالها, فتصرخ لمياء بالممرضات مستنجدة, ليهرعن بها إلى العناية المركزة, وقد تغيرت المشاعر من الفرح إلى الخوف فجأة, ذعرت نوال من مصاب أختها المفاجئ لم تتصور أن تقابلها, وهاهي لما قابلتها تعود لها نوبة القلب من جديد, أخذ فيصل يصيح في الفريق الطبية وهو يبكي بحرارة المقهور على تلك الأيام الماضية, قام الفريق بما يستطيع من إنعاش قلب سعاد, أعادوا المحاولة أكثر من مرة حتى يعود نبضها, وضعت تحت الأجهزة, والكل يترقب وينتظر استقرار الحالة, بدت مؤشرات الأجهزة تعلن عن تدهور حالة سعاد, كان الدكتور عبدالله من بين الحضور تدخل في الحالة, يبذل كل جهده ساهمت محاولاته في إنعاش قلبها ليستقر أخيراً, وضعت مباشرة تحت الأجهزة وكان الجميع ينتظرون في الخارج, لم يلبث عبدالله أن تأكد من استقرار الحالة حتى خرج من عندها يبشرهم باستقرار الحالة, أخذ فيصل يلح عليه بأن تحيى أمه وأنه يريدها, صاح بعبدالله: "أرجوك أمي لا تتركها أرجووك!"
"اهدأ يا فيصل لست طبيباً هنا وبإذن الله ستكون حالتها مستقرة!"
ما إن أنهى عبدالله كلمته الأخيرة حتى جاء الخبر كالصاعقة, "سعاد إلى رحمة الله", تيبس فيصل في مكانه لم يستطع الحراك, حيث سقطت نوال مغماً عليها بالقرب منه ولم تستطع سارة تحريك ساكن من حولها, ولمياء كانت ترتعد لا تعرف إلى أين تذهب أو أين تجلس أو فيم تفكر فقط كان شعورها أنها في فضاء بلا قاع وبحر بلا شطان, وقد غطت الصدمة تفكير عبدالله, فأصبح الجميع في حالة يرثى لها..
تقدم فيصل إلى العناية المركزة ليرى أمه, إنهم يرفعون عنها الأجهزة صرخ فيهم: "دعوها أرجوووكم, لا تزال حية إنها أمي, والله ما علمت عنها إلى وهي مريضة, أرجوووكم دعوا الأجهزة!!"
تدخل بعض العاملين في المستشفى لإخراج فيصل من العناية, إذ لم يكن الأمر سهلاً على فيصل, ولكن إن هي عاشت بألم وحسرة لا شك أن نظرةً لأهلها قبل وفاتها أراحت جسمها وضمدت جراحها لتموت بعدها مرتاحة البال!.



أخيراً:
مهما تمادى الظالم في ظلمه, فلا شك أن الظلم دين, وكما يدين الإنسان يدان, غير أن الخسارة قد لا تعوض ولا أشد من خسارة الأرواح, فلا تظلم أحداً مهما كان بعيداً أو قريباً, لكل مظلمة حق ولكل ظالم جزاء.

مع تحيات المؤلف: [ مشعل القاسم ] .


* وطريقة التعليق, هو أن تختار الخيار قبل الأخير في القائمة النسدلة أدناه, وتضع اسمك وإن شئت ضع عنوان مدونتك ثم ضع استمرار, وارسل مشاركتك, بإذن الله ستصل باسمك, ولا تنسى تنسخ ردك قبل إرساله تحسباً لأي طارئ.
Bookmark and Share

هناك 9 تعليقات:

  1. عبدالله بن محمد الحمود14/8/10 10:12 م

    *يسرني أن أكون اول من يصافحك بحرارة لأهنيئك على هذه الرواية المتناهية في الروعة وأهنئك أيضاً على الإنسيابية الراقية بين تفاصيلها ودقتها وتحولاتها السريعة ,


    كما يمكنني أن أقول :
    - مؤلمة , راقية , محكمة , متسلسة بشكل رائع...



    صدقت إنها : (( زفرة قهر )) !!!!!


    تحياتي إلك *_^

    ردحذف
  2. خالد الضويــان..21/8/10 12:24 م

    دائما مُبدع..
    أستسخفت ماأكتبه عندما قرأت هذه الرواية :)
    محبك :خالد..

    ردحذف
  3. غير معرف24/8/10 11:24 م

    يالله..!
    قصه مره روعه..بس صدقيه؟
    عائلة التركي أقارب لي..

    ردحذف
  4. عبدالله الحمود:

    حياك الله يالغالي, شرفت القصة وسعدت بك هنا كثيراً شرف لي ما ذكرت وشكراً لك كثيراً.

    ردحذف
  5. خالد:
    لكل واحد منا لون له من يستحسنه, واصل وتذكر أن الناس أذواق, (ولولا اختلاف الأذواق لبارت السلع).

    ردحذف
  6. غير معروف:

    القصة ليست حقيقية ^_^,
    والحمد لله أنها كانت قريبة من الصورة الواقعية, شكراً لتشريفك.

    وحياك الله.

    ردحذف
  7. غير معرف13/9/10 4:41 ص

    معليش اللحين وش السالفه القصه حقيقية ام ماذا ..!!

    ردحذف
  8. لا ليست حقيقية ^_^
    هي من وحي الخيال .. وحياك الله أيها الغالي :)

    ردحذف
  9. والله ابداااااااع يا مشعل اهنيييك
    صراحة قصة مؤثررره جداً وحتى اسلوبك في طرح القصه كان راقي جداً وممتاز




    تحياتي لك

    ردحذف

ملاحظة: طريقة التعليق, هو أن تختار الخيار قبل الأخير في القائمة النسدلة أدناه, وتضع اسمك وإن شئت ضع عنوان مدونتك ثم ضع استمرار, وارسل مشاركتك, سينزل ردك مباشرة تأكد من ذلك, ولا تنسى نسخ ردك قبل إرساله تحسباً لأي طارئ.