تويتر

2011/03/03

مواقف من الذاكرة (2) "في مطار نيويورك"





بدأت الطائرة بالهبوط, وبدأ القلب بالخفق المتسارع, والأعين تتطلع وتتقافز بين النوافذ علها أن ترى شيء من الخارج, إنه مطار جون كينيدي في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية, أول دولة سأدخلها في حياتي بعد مملكتي السعودية الغالية ..

شعرت بقلق وتردد وتشتت, لم يكن أحد في انتظاري, لم أكن أعرف أحداً هناك, تراودني الكثير من الأسئلة, كيف سأسير أموري؟ وماذا سيواجهني؟ وماهي القوانين التي لم استعد لها؟ ومتى سأقلع لواشنطن المحطة الأخيرة؟ وأسئلة لم تكن تنتهي؟

فتحت بوابة الطائرة بأسرع مما توقعت, انطلقت لوطن جديد, لدولة سأدخلها كأول دولة بعد السعودية, لاشك أن الخوف كان حاظراً وقتها لم يفارقني, خرجت مع البوابة بعد ان قلت للمضيفة عند الباب بتردد: " You to " وأنتِ أيضاً, رداً على تمنيها عندما قالت:
" Have a nice day " تمنياتي لك بيوم جميل.

رفعت بصري لأرى سماء الولايات المتحدة الأمريكية, وسط ذهول وشعور يحاول اقناعي أني في حلم!, ليس لأني في بلد تمنيت دخوله, بل لوحشة واستغراب وجرأة وبعد عن الأهل والأصحاب, أحسست برغبة قوية للاستيقاض!, رجعت للواقع بسرعة, حاولت أن أكون مستعداً لأي إجراء سيقابلني, دخلت المطار مع تلك الأفواج التي تتابع من الطائرات على المدارج إلى صالات القدوم الدولية, وكنت في الحقيقة لا أعلم إلى أين أسير ولا أين منطقة الإقلاع القادمة إلى واشنطن, لكنّي سرت مع الناس حتى فاض بنا الطريق إلى صالة القدوم لما دخلنا القاعة الكبيرة, بعد أسياب طويلة قطعناها, انقسم الناس لمجموعتين الأولى دخلت مع المسار الأول, والثانية دخلت مع المسار الثاني, وقفت في المنتصف أتلفت, وعيناي تتطاير بين جموع الوافدين لا أدري إلى أين أذهب, ولغتي الإنجليزية لم تكن بالمستوى المرضي, وكنت زيادة على ذلك في قلق عجيب, فزاد ذلك تشتت ثقتي بما أملكه من الإنجليزية, فتمنيت أن أرى أي شخص من السعودية, مع أني لا أجيد التعرف على الناس ابتداءاً من نفسي, لكن ما إن يقترب أحدهم مني ويكسر الحاجز حتى تسقط الكلفة مباشرة ويصبح الأمر سهلاً عندي, وربما هذا سبب من اسباب قلة علاقاتي الحميمية, والعابرة دوما ما تكون رسمية, رأيت شخصاً بدا أنه من أهل الخليج, لكنه كان بعيدٌ وسط جموع الناس فلم أجرؤ أن أقطع تلك الصفوف حتى أسأله, انتظرت في مكاني وكأنني أنتظر أحداً ما, كتب الله أن يكون ذلك الشخص الذي رأيته في حال مماثلة لحالتي, وقد عرفت ذلك بعد أن خرج من المسار الذي كان فيه واتجه إلي, ثم سألني: "أنت سعودي؟", أجبته: "نعم, سعودي", قال: "الحمد لله, ودي أسألك الله يعافيك, وين أروح الحين, ووش أسوي؟!", نظرت إليه باستغراب ثم قلت: "ليش ما تدري أنت!, كنت مأمل عليك ودي أسألك!!"
نظر إلي ثم قال: "أما عاد؟!, طيب وش تسوي هنا؟!"
قلت له بصوت حزين: "والله يا خوي ما أدري أحس اني ضايع وأنتظر أحد ياخذني للمكان المناسب!!"
نظر إلي بتعجب: "صادق أنت؟!, طيب مادام الحال من بعضه خلنا نسأل أحد حقين الأمن الي هنا!"
قلت: "يالله توكل على الله", اتجه إلى أحدهم وبطريقة بسيطة ولغة متكسرة سأله أين نذهب, فأخبره ثم أخبرني, شكرته ثم انصرف هو لمكانه في الطابور, ولحقت به لكن في نهاية ذلك الصف الطويل, كان الناس مصطفون في خطوط حلزونية ليكون في آخر الصف, رجل أمن يفتش عن الأوراق الرسمية ثم يسمح للشخص بدخول الكونترات للبصمات ثم دخول الولايات المتحدة, سرنا حتى اقتربت من النهاية فرأيت رجل الأمن يسأل عن ورقة لم أرها من قبل!, وليس معي مثلها!, فقطعت الطابور لأبحث عن من يرشدني إليها, وجدت طاولة صغير مرتفع بحد سرة الرجل متوسط الطول, وجدت فوقها مجموعة أوراق ورأيت من بينها أوراق مشابهه تماماً لما رأيته مع المفتش آخر الطابور.

لكن لم أكن أعرف كيف أتصرف معها, وقفت في مكاني حتى اقتربت حارسة أمن تابعة للمطار, فسألتها بتردد ماذا أعمل بهذه الورقة, ولعلها فهمت حالي فتعاطفت معي, وكتبت لي الورقة كاملة, واخذت مني كل الأرقام والبيانات المطلوبة لتكتبها بهذه الورقة التي علمت فيما بعد أنها أهم ما أملكه في أمريكا وهي ورقة الدخول الرسمية الـ I-94, شكرتها ثم وقفت في الصف من جديد حتى وصلت إلى المفتش وفتش أوراقي, ثم أدخلني على كونترات الدخول, أخذ المسؤول البصمات, ثم أخذني إلى مكان في ناحية الصالة الداخلية, لعله مكان خاص لبعض الدول ولعلها الدول الإسلامية بالعموم, لكن لم يكن يدخل أحد إلى ذلك المكان من السعوديين إلا قليل بفضل الله, وكان من نصيبي أن أدخل فيه لأقضي فيه قرابة خمس ساعات عجاف!!


صورة مكان الإنتظار

لا أخفيكم, أني كدت أنفجر من الهم, لأن الموظفة التي رأيتها عند الطاولة والتي كتبت ورقة دخولي, أتت إلي لتقول لي أن رحلتي القادمة إلى واشنطن ألغيت, وأجلت لأربع ساعات, وحقائبي هنا لابد أن أجدها, لكني لا أستطيع التحرك من المكان الذي أقف فيه لحين مجيء دوري, وانتظرت حتى طالت المدة فقلقت كثيراً على حقائبي, فذهبت للموظف وسألته أن أذهب لأبحث عن حقائبي وأعود, فأذن لي, لما وصلت لمكان الحقائب بعد السؤال والتحري, لم أجد حقائبي, بحثت عنها جيداً ولم أجدها, سألت المسؤلين قالوا بأنهم لا يعلمون إن لم تكن هنا, أخذني أحدهم للأمانات وبحثنا ولم نجد شيئاً, وقال لي: "آسف لم نجدها!"
تراخت عيناي في ذهول, وماذا يعني "آسف لم نجدها؟", ثم تساءلت في نفسي كيف اتصرف الآن؟, رجعت لمكان التحقيق الذي استأذنت منه, وكان فيه بعض العرب لكني لم أتجرأ بسؤال أحدهم لا أعلم لماذا, وظل الهم حبيس نفسي حتى رأيت تلك الموظفة التي سبق ان رأيتها, فانطلقت إليها وقلت لها بما أعانيه من فقد الحقائب فاعتذرت لي, وسألتها عن الرحلة التي ألغيت لأني لم أفهمها في المرة الأولى, فشرحت لي من جديد, وسألتها عن الرحلة الجديدة متى موعدها وكيف أستخرج (البوردينق) الخاص بها, وأين (كونترات) الخطوط القادمة, بل ماهي الخطوط التي عليها رحلتي؟

كتبت اسم الخطوط وموعد الإقلاع, وقالت لي عن مكان الخطوط: "اسأل المسؤولين وسيرشدونك!", ثم سألتها متى سأنتهي من مكان التحقيق وقلت لها أن الموظفون لا يبالون بنا أبداً, يتحدثون ويذهبون ويعودون, وكأننا لسنا في انتظارهم وينادون واحداً واحداً وببطئ شديد, وأخشى أن الوقت لا يسعفني فلم يبقى سوى ساعة إلا ربع على الإقلاع القادم بحسب الوقت الذي كتبته لي الموظفة على ورقتي, فقالت لي: "انتظر وسيسعفك الوقت!", قلت في نفسي: "فقط هذا كل شيء؟!"

جلست مع المنتظرين, والقلق يكاد يقتلني هماً على حقائبي وموعد الإقلاع الذي أزف, بدأ الناس يمشون بعد مقابلتهم, وأناس أتوا بعدي رحلوا قبلي, لم يبقى إلا أنا الآن!, كان الساعة وقتها التاسعة والنصف مساءً, جاء دوري وسألوني أسئلة سخيفة جداً, وزاد غيضي بعدها فكيف أتعطل كل هذا الوقت لأجل أن يقول لي المحقق: "ما اسم ابوك, وين ستعيش في امريكا؟!", وكل هذه المعلومات وغيرها الكثير موجودة في الاوراق الرسمية في الملف عند الكونتر الأول يوم ان طبعت بصماتي هناك!

تم الإفراج عني بعد تلك الساعات العصيبة, توجهت لبوابة الصالة الداخلية لأذهب للخطوط التالية فلم يبقة سوى 20 دقيقة على الإقلاع, فسألت عن مكتب إتحاد للطيران لأنه مكتب الخطوط التي أوصلتني إلى امريكا, وكنت أريد أن أعرف أين ذهبت حقائبي, وصلت إليه بشق النفس, وبقي على الإقلاع قريب من العشر دقائق, سألته عن الحقائب, فقال:" لا أدري ولكن قد تسبقك إلى واشنطن", قلت: "أن رحلتي انتهت معكم هنا بعد ان الغيت الرحلة القادمة إلى خطوط جديدة", طلب مني اسمي ثم قال لي صارخاً: "بقي على اقلاع طائرتك خمس دقائق بسرعة اذهب لقص التذكرة, في الكنتر الخاص بها!"

كان كلامه كالصاعقة, أكل الهم قلبي, قلت له: "وأين أذهب؟!", فبدأ يشرح لي, لكن لم أفهم إلا كلمة "انزل مع الدرج" و "ثالث" و"تجده هناك", فقلت في نفسي سأنزل من الدرج وأعد ثلاث أبواب أو معالم أو محلات وسأجده وسأرى ما يمكن أن أجده هناك مكراراً لأعد منه ثلاثاً, فلما نزلت من الدرج, صعقت بجدار من الزجاج أمامي!, طار قلبي ولم أعرف ماذا أعمل, ولم أكن أريد النظر إلى الساعة حتى لا أموت في مكاني, فرأيت أحد الناس, لانطلق إليه ثم أشرت إلى اسم الخطوط في ورقتي وقلت له: "اين هذه الخطوط؟", فأخذ بيدي واوقفني امام باب من الزجاج فتح لحظة وقوفنا وإذا به قطار!!!, قلت: "ماذا أفعل هنا؟!" قال اركب وانزل في المحطة رقم ثمانية!!!, وكنت في المحطة الخامسة أي بعد ثلاث محطات وهذا ماكان يقصده موظف مكتب اتحاد, ركبت القطار, وكنت على يقين بأن مصيبة تنتظرني!!.

Bookmark and Share

هناك 6 تعليقات:

  1. غير معرف3/3/11 4:32 ص

    الله يعينكم وييسر أموركم والله قلق لكن كنت متصبر ماشاء الله عليك*_^

    ردحذف
  2. غير معرف7/3/11 8:26 م

    ابداع

    ردحذف
  3. ماشاءَ الله عليكَ أنسانَ حليمَ بكلَ ماتحملهَ الكلمةَ
    وجميلَ منكَ أن تكونَ صبورَ فالحياةَ بالحلمَ والصبرَ
    مختلفةَ عنَ غيرهاً

    أحببتُ الموقفَ ولاأخفيكَ أننيِ تعلمتُ الكثيرَ منهَ
    وبأنتظارَ الموقفَ الثالثً
    أعانكمُ الله ويسرَ لكمَ مرادكمَ

    ردحذف
  4. غير معروف:

    والله الصبر مو باليد غصب, وما أخفيك بعض المواقف دمعت عيني من الضيقة, لكن الحمد لله ربك يسرها ^_^.

    ردحذف
  5. غير معروف 2:

    الإبداع مرورك وتشريف أحرفي بقراءتك :)

    ردحذف
  6. زحمة حكي:

    المواقف تعلم الإنسان الصبر والتعامل مع المواقف, لأنها تجبره عليها, وسبحان الله أجد التجربة درس لا يمكن أن ينسى.

    متابعتك الدائمة شرف لي وأسعد كثيراً أخيتي على هذه المشاركات المحفزة.

    ردحذف

ملاحظة: طريقة التعليق, هو أن تختار الخيار قبل الأخير في القائمة النسدلة أدناه, وتضع اسمك وإن شئت ضع عنوان مدونتك ثم ضع استمرار, وارسل مشاركتك, سينزل ردك مباشرة تأكد من ذلك, ولا تنسى نسخ ردك قبل إرساله تحسباً لأي طارئ.