تويتر

2011/03/09

مواقف من الذاكرة (3) "ضاعت حقائبي"




مطار جون إف كينيدي في نيويورك (John F. Kennedy International Airport)

تابع لمواقف من الذاكرة (2)
لما ركبت القطار وكان الذهول يحيط بي ( كيف يكون القطار في المطار), سألت أحد الركاب عن المحطة فأكد لي أنها الثالثة, لما وصلت إلى المحطة المقصودة, انطلقت لأبحث عن مكتب الخطوط, وتذكر أن الوقت في يدي مجرد خمس دقائق كما قال لي صاحب خطوط اتحاد الطيران, وإلى هذه اللحظة من الأحداث أظنه قد نفد قريب من عشر دقائق غير أني مصر بأن لا أنظر إلى الساعة حتى لا أثقل على نفسي رغم أنه الواقع, لكن التغافل عن الشيء المؤلم يعطي ثمار إيجابية في بعض الأحيان, كما فعلت مع الساعة تماماً, حيث أني لم أقدر قيمتها في ذلك الوقت تقصداً مني, المهم وصلت إلى مكان الخطوط بعد مشوار من سؤال هذا وذاك عن المكان, فرأيت صفاً من الناس في جهة وزحام كبير, ومن جهة أخرى رأيت مكاناً للتذاكر الإلكترونية وكان الناس عليه أقل بكثير من طابور المكتب, اتجهت للتذاكر الالكترونية علماً أني أرها لأول مرة, هممت بقص تذكرتي لكني سرعان ما تذكرت اني لا اعرف كيف اتعامل معها, فكان السؤال صريحاً واضحاً عندما وجهته لنفسي حين قلت: "بالله كيف بتقص تذكرة الكترونية وأنت من جنبها في اللغة وأول مرة تشوف جهاز آلي وخدمة ذاتية؟" تلفتُ حولي فإذا بي أرى امرأة أمريكية سوداء بدا لي أنها موظفة في المطار لنوع الملابس التي ترتديها, فكان من حظها مساعدتي حيث لم اطلق سراحها حتى انهت كل اموري, فأخذت التذكرة وسألتها عن مكان الخطوط وانطلقت ركضاً إلى المكان, وأقول في نفسي يارب جنبني المصائب ما ظهر منها وما بطن!.
وصلت للبوابة المعنية بأمري, وسألت استقبال البوابة عن الرحلة, فقالت الموظفة (شطحة: بعض القراء أكيد لاحظ أن أغلب الي أقابلهم موظفات بس تراه صدق موب تحرر ..ذذ ), بعد مشوار طويل قطعته جرياً, "انتظر على المقاعد هنا!", سألتها إذا ما كنت قد وصلت في المكان والوقت المناسب أم لا؟, فقالت لي أن أجلس على الكراسي ولم تفصل لي اكثر من ذلك, فجلست في ترقب عجيب, ولم يكن على المقاعد ينتظر سوى خمسة أو ستة أشخاص على الأكثر, فجزمت أن الرحلة قد انطلقت أو أن هناك خطئاً معيناً, وبعد لحظات قام الخمسة أو الستة الجالسين على الكراسي ودخلوا مع البوابة نحو الجسر المتوجه إلى الطائرة, تقدمت وجلست في الصف الأول (في وجه الموظفة) مباشرة وقمت بتوزيع الابتسامات لها ولصديقتها, ( لا أحد يفهم غلط ههههههه كان قصدي شريف بس لا أحد يفهم أنه زواج هههههههه ), الحقيقة كنت أريدها أن تراني حتى تقول تفضل مع الناس أو تخبرني بمصيري, المهم أنها انتبهت أخيراً, فقالت: "وش تسوي هنا قم ضف مع العالم على طيارتك!!"

قلت لها متهكماً, ورجلي اليمنى تتكئ على اليسرى: "الله يخلف على امك!, أي عالم؟! قصدك الستة! (يالي مرؤو من هون أبل شويي؟!)"

قالت: "ايه رحلتك معهم!, منتب رايح؟!"
وكأني كنت نائماً أحلم, ثم كب أحدهم ماءً بارداً على وجهي لأستوعب الواقع, قلت: "صحيح؟!, منتب صاحية!, ومن الصبح اتميلح هنا وتوك تقولين لي رح, الشرهة على الي يتميلح يظن أنه حلو عشان ينتبه له الي قدامه, وأقبح منه مافيه (مصيبة الي ماعندة ولو نتفة جمال) وعلى قولة واحد متحمس لجمال الحور العين (الله يجعلنا من الحور العين ..ذذ), المهم وأضف عفشي وأنطلق للبوابة وعندما وصلت البوابة, تفقدت جيبي بحثاً عن الـ( بلاك بيري) لم أجده, (طلعت لمبة) فوق رأسي تقول: "نسيته على الكرسي يا الفاهي!" ودرقم درقم درقم (قاعد أركض الآن!), إلى الكرسي وجدت الجوال, أخذته ثم (درقمت) من جديد إلى البوابه, طالع شكلي تحفة تشكيلية يعجز عن ترجمتها أدهى الأدباء التشكيليين ( بلا والله جبت العيد هههههههههه ), ولما دخلت الطائرة, (ديورت ظنيت اني أخطيت!), قالت مظيفة الطائرة التي لم أعلم أنها مظيفة إلا بعد أن نادتني: "على وين؟!", قلت لها بايتسامة عريضة: "الظاهر أخطيت!, بروح أدور طيارتي"
أخذت مني التذكرة لتتأكد من طائرتي ثم قالت: "هذي طيارتك يا أبو الشباب!!" قلت لها: "أما عاد ذي (الدعنبة) طيارتي, هذا موب حمام طائر؟!,"
الحقيقة أنها طائرة صغيرة جداً جداً (وفيها نسبة قربعة غير طبيعية), كأنها باص أبو 50 راكب, لأنها فعلاً طائرة 50 راكب, ولا يوجد فيها سوى ستة أشخاص أنا سابعهم, في الحقيقة لما ركبت هذه الطائرة, سقطت هيبة الطيران واحتقرته, (حمامات آخر عمرها تصير طيارات "والله مهزلة!"), طبعاً لم يكن فيه سوى مظيفة واحدة, والطائرة متجهة إلى واشنطن العاصمة رحلتي الأخيرة قبل السفر لمقر الدراسة, كان مقعدي بين زوجين كهلين, (فيهم نسبة مراهقة, مصبغين وجيههم بألوان منتخب أسبانيا "يالله لك الحمد هههههههه") لا أعلم سبب تلك الألوان في هذا العمر, لكن أظن شعارهم "الحياة حلوة" وما أجمله من شعار, قلت للزوج ما رأيك نتبادل الأماكن "جزاك الله خير ..ذذ" إذا كنت نريد أن تجلس بجانب زوجتك, نظر إلي بامتعاض وكأنه لم يفهم ما قلت, غير أنه اعتلاه الغضب!, قلت له: "أبداً كنت أمزح تبي موز ههههههههه", طبعاً سألت المظيفة عن إمكانية تغيير مقعدي بحكم أن الكثير من مقاعد الطائرة فارغة بلا ركاب, فوافقت وغيرت المكان لمكان في الخلف, "مثل الدشير تماماً إذا استقعدوا في آخر الباص ..ذذ", كانت مدة الرحلة قرابة الساعة وعشر دقائق, أذكر أن المظيفة تدور في الطارة لتلبيه الطلبات أو الخدمة, وأنا قد أصابني إعياء شديد, فكان النوم يتخطفني وأنا أقاومه, فأذكر أن المظيفة كانت تسألني عن بعض ما أريد, وكنت أجيب في نصف وعي فيما جعلها تشك في أني قد شربت شيئاً من الكحول "والعياذ بالله ههههههههه", فبعد كذا خدمة منها, أصبحت لا تجيبني, وإن سألتني عن ما أريد وبدأت أجيبها تركتني وذهبت, وفي تلك اللحظة أذكر أني كنت أراها بشكل ضبابي لم تكن واضحة, كنت متعباً للغاية, ولعلي استسلمت للنوم أخيراً حتى حطت الطائرة رحالها في مطار ريجن القومي (Reagan National Airport) في واشنطن العاصمة, استيقضت في هلع لم أعلم ماذا حل بي أو ماذا حصل وأين نحن الآن, فرتبت أوضاعي ورأيت الناس تخرج فعلمت أننا وصلنا لواشنطن, أخذت حقيبة اليد التي كنت أحملها في يدي طوال الرحلة, والتي تحتوي على أوراقي الرسمية وهواتفي وجهازي المحمول, وانطلقت في داخل المطار, والغريب أنه لم يكن في استقبالنا أياً من جهات أمن المطار أو تفتيش أو نحوه, حيث عرفت فيما بعد أنه لا يوجد تفتيش في الرحلات الداخلية, وإنما فقط في الرحلات الدولية.


صور لمطار ريجن القومي في واشنطن العاصمة (Reagan National Airport)


اتجهت لسير الحقائب التابع لرحلتنا انتظر حقائبي, دارت الحقائب دورتين ولم أرى شيئاً, أخذ كل المسافرين حقائبهم وأنا أنتظر, كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل, وكنت قد اتصلت من الرياض, بسائق يتبع لفندق هوليدي إن - الذي حجزت فيه ثلاثة أيام وهي مدة إقامتي في واشنطن- ليستقبلني, ولعل موعدي معه كان في العاشرة مساءً حسب الرحلة التي ألغيت, بينما لم يعلم هو عن تأخير رحلتي إلى هذا الوقت!, وكنت في قلق شديد حيال ما يمكن أن أفعله تجاه هذه المشكلة, انتظرت أمام مسار الحقائب ولم أرى شيئاً, اشتد قلقي, وكان المطار شبه خالي من الناس!, مر من خلفي أحد رجال أمن المطار, فانطلقت إليه وأخبرته أني أريد حقائبي إلا أني لم أجدها!, فأخذني لمكتب الخطوط التي نزلت منها لتوي, فقلت لهم عن حقائبي وأعطيتهم أرقام الحقائب المسجلة من مطار الملك خالد بالرياض, فقال لي الموظف: "حقائبك ليست هنا!"
قلت له: "وأين هي؟!, وماذا أفعل الآن؟, حقائبي فيها كل شيء يخصني!"
قال: "ربما تأتينا غداً أعطنا عنوان سكنك وسنرسلها لك إن وصلت إلينا!!"
أعطيته عنوان الفندق, وأنا لا أعلم ماذا سيكون مصير الحقائب مع شك يكاد يكون يقيناً أن الحقائب لازالت في مطار نيويورك الذي قدمت منه! لهذا المطار, طلبت منه خدمة بسيطة, وهي أن يتصل على سائق الفندق حتى يأخذني للفندق, وكان معي وقتها رقمي السعودي, فاتصل من هاتفي به لكن هاتفه كان مقفلاً!, فزاد قلقي, قلت له: "كيف أذهب للفندق الآن؟!"
قال لي: "استأجر سيارة أجره, وستأخذك للعنوان!"
قلت له: "لكني لا أعرف العنوان, وليس معي سوى هذه الورقة!" طبعاً لم أكن أعلم أن عناوين أمريكا تختلف عن عناوين السعودية, ظننت الموضوع: "بيجيك الشارع الفلاني لف يمين, ثالث لفة يسار, بتشوف مسجد احسب ثاني مطيب ..إلخ"
قال لي: "هذا العنوان كافي!, أعطه السائق وسيأخذك إليه".

خرجت من المطار بلا حقائب سوى حقيبة اليد, واخذت اترقب علي أن أجد سيارة أجرة والساعة كما قلت كانت في منتصف الليل, والشوارع خالية, ولا أعرف شكل سيارات الأجرة عندهم, فلاحظني أحدهم وانتبه لي وكأني أبحث عن شيء ما, والعرق يتصبب خوفاً من أن أجلس في هذا المكان والنوم يباغتني والتعب ينازع على جسدي, فخشيت أن أنام من التعب ثم قد تسرق حقيبتي التي في يدي أو يتعرض أحدهم لي بسوء, في الحقيقة كان الموقف في رأسي غير واضح ومئات الأسئلة تدور فيه في تعب شديد, وشخص لا يعرف المكان حق له ان يحذر.

"تريد سيارة أجرة؟!" سمعت الصوت من خلفي, فالتفت غير مصدق ماسمعت, ادرت وجهي نحو مصدر الصوت بتثاقل, وإذا برجل يتضح من تقاسيم وجهه أنه في العقد الخامس من عمره, اجبته سريعاً: "نعم, أريد أين هو؟!"

لم أكن أعلم بأني كنت أحلم, أو أن الأمر حقيقة, حاولت التركيز, وإذا به فعلاً شخص يسأل إن كنت أريد سيارة أجرة, ذهب الرجل ثم عاد ومعه امرأة يوحي شكلها أنها لا تبتعد عنه في عمرها, فسألتني عن المكان الذي أريد, فأعطيتها العنوان, قالت لي: "سآخذ منك 14 دولار", قلت: "إن أردت مئة المهم أن تأخذيني إلى هناك!"

وكانت سيارتها جي إم سي فان -على ما أظن-, وقد كانت تجمع الزبائن حتى امتلأ الفان وانطلقت بنا توصل الأقرب فالأقرب, وكنت في حال يرثى لها من التعب, وصلت أخيراً للفندق نزلت وأعطيتها خمسة عشر دولاراً, فلما أرادت أن ترجع لي الدولار المتبقي لم يكن عقلي وجسدي يسمح لي بالانتظار قلت لها: "شكراً لا أريد الباقي مع السلامة!"

ودخلت الفندق بروح منتصرة متعبة, وكنت أفكر طوال الوقت هل العنوان هو نفسه الذي حجزته فعلاً؟!, وهل تم الحجز فعلياً؟!, اتجهت للاستقبال لأقطع موجة الأسئلة التي تتصارع في رأسي, ومددت تذكرة الحجز, فزفت الموظفة إلي البشرى بأن أعطتني كرت فتح الباب الخاص بغرفتي, فشعرت بسعادة غامرة, وبعد أن عرفت مكان غرفتي انطلقت إليها بنشوة عجيبة, وصلت باب الغرفة, فتحت الباب, دخلت وأغلقت الباب, كان شكل السرير يوحي لي بأجمل المناظر التي رأيتها أو سمعت عنها في حياتي, ألقيت بجسمي على سرير كبير مريح للغاية, لا أدري لماذا بكيت حينها, شعرت بالغربة والوحدة, ولم اشعر بذلك سوى لدقائق معدودة حيث استسلم جسدي المنهك للنوم فغبت في نوم عميق.

Bookmark and Share

هناك 6 تعليقات:

  1. عبدالحميد10/3/11 3:37 ص

    بانتظار التالي

    ردحذف
  2. كل هذا وتوك توصل للفندق ..
    شكلك مريت بتجربة صعبة .. بالانتظار والأسلوب جميل ..

    ردحذف
  3. لبى قلبك ’’

    والله اني اقرأ مواقفك واحس بـ تعاطف معك ’’ وعيني تدمع لك ..

    الله يصبرك ويوفقك للي تبي يابعدي .. 3>

    محبك : عبدالله ’’

    # تمت إضافة مدونتك للمفضله .. (L)

    ردحذف
  4. عبدالحميد:

    هلا والله شرفت يالغالي, وبإذن الله لن أتأخر.

    ردحذف
  5. جياز:

    والله التجربة جديدة, والمواقف ماسبق قريت عنها أو سمعتها, وكنت في موقف جداً صعب, علماً أني ما أعرف ناس كثير حولي في الخارج, مجتمعي ومن حولي أغلبهم في السعودية لم يتجاوزوها.

    حياك الله يالغلي وسعيد بمرورك :)

    ردحذف
  6. عبدالله:

    الصراحة المواقف جامدة, والتجربة جديدة, ولازلت لم اكتسب الصلابة يومها, لكن الأمور الآن تمام الحمد لله, وكثير من الأمور تعلمتها وعرفتها فلله الحمد والمنة.

    أسعد كثيراً لمتابعتك ومشاعرك الغالية على قلبي, شكراً لك وحياك الله.

    ردحذف

ملاحظة: طريقة التعليق, هو أن تختار الخيار قبل الأخير في القائمة النسدلة أدناه, وتضع اسمك وإن شئت ضع عنوان مدونتك ثم ضع استمرار, وارسل مشاركتك, سينزل ردك مباشرة تأكد من ذلك, ولا تنسى نسخ ردك قبل إرساله تحسباً لأي طارئ.